تحذر منظمات الصحة النفسية من أن وزارة الصحة تتجاهل ملاحظات الجمهور التي قُدمت ضد تعميم المدير العام، وتنوي اعتماده تقريبًا دون تغييرات جوهرية.
تقول البروفيسورة ميراف روت، أخصائية علم النفس السريري والتحليل النفسي وخبيرة في علاج الصدمات:
“ستكون هناك حالات يصل فيها شخص يعاني من ضائقة شديدة، وعندما تبدأ نفسه بالانفتاح فقط سنقول له: وداعًا”.
من جانبها، توضح وزارة الصحة: “لا توجد نية لفرض تقييد إداري”.
بعد مرور ثمانية أشهر على فتح باب الملاحظات العامة، تحذر منظمات الصحة النفسية والرعاية الاجتماعية من أن وزارة الصحة الإسرائيلية تنوي اعتماد التعميم الجديد الخاص بتنظيم العلاج النفسي في النظام العام، تقريبًا دون تغيير، رغم الانتقادات المهنية الواسعة التي قُدمت بشأنه.
يحدد التعميم، للمرة الأولى، إجراءات الإحالة إلى العلاج، وأنواع العلاجات التي ستُقدَّم، وطريقة إدارة العلاج والرقابة عليه. أما البند الذي يثير أكبر قدر من الاعتراض فيتعلق بتحديد العلاج النفسي الفردي، بحيث يُسمح به بشكل افتراضي حتى 15 جلسة فقط.
“قيود تمس الفئات الأكثر ضعفًا”
تُقدَّم خدمات الصحة النفسية في المجتمع عبر صناديق المرضى ومقدمي خدمات مختلفين تابعين لها. وتُقدَّم الخدمة مجانًا أو مقابل رسوم فصلية منخفضة، كما يوجد مسار “المعالج المستقل”، وهم معالجون يعملون في عيادات خاصة ضمن اتفاقيات مع صناديق المرضى، حيث يحصل العلاج على دعم جزئي مع مشاركة مالية من المريض.
وتقول المنظمات إن وزارة الصحة تتجاهل الانتقادات العامة والمهنية الشديدة، وتعتزم نشر التعميم دون تغييرات جوهرية.
وقال الدكتور غادي روزنبرغ، رئيس جمعية علماء الإجرام السريريين في إسرائيل:
“تعميم المدير العام ليس مجرد فشل تنظيمي، بل قبل كل شيء فشل قيمي وأخلاقي”.
وأضاف:
“بدلًا من توسيع وتعزيز الاستجابة العامة في منظومة الصحة النفسية، تضع القواعد المقترحة معايير تضييقية تترك بالذات الفئات الضعيفة والأكثر حاجة دون دعم. الوثيقة تخلق آليات فرز صارمة تتعامل مع الضائقة النفسية من منظور الميزانية، ما يضر بشكل خطير باستمرارية العلاج وإمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية”.

“فقط الآن بدأ الناس يطلبون المساعدة”
تحذر ائتلافات منظمات الصحة النفسية والرعاية الاجتماعية من أن بعض البنود المقترحة قد تضر بعدد كبير من المتعالجين.
وقالت البروفيسورة ميراف روت، المتخصصة في علاج الصدمات من جامعة حيفا، في حديث مع موقع Ynet:
“إن محاولة تقديم حل مشابه للجميع تهدف إلى تخفيف ضغط الطلبات، لكنها قد تكون مدمرة لبعض المتعالجين”.
وأضافت:
“نرى اليوم الكثير من الأشخاص الذين يرفعون رؤوسهم فقط الآن، بعد ثلاث سنوات من السابع من أكتوبر، ويتوجهون للحصول على المساعدة. بعضهم يجمع للمرة الأولى القوة للقيام بذلك. قد يناسب بعضهم علاج قصير ومركز، لكن ستكون هناك حالات يصل فيها شخص في وضع صعب، ونقول له إن لديه فقط 15 جلسة، ثم عندما تبدأ نفسه بالانفتاح فقط نقول له: وداعًا. ليس فقط أن هذا لن يكون كافيًا، بل قد يكون مدمرًا في بعض الحالات”.
وتابعت:
“في بعض الحالات أفضل أن أقول لمثل هذا المريض: ابقَ مع وسائل دفاعك النفسية، دعنا لا نفتح شيئًا حتى أستطيع توفير استجابة مناسبة”.
وأضافت:
“15 جلسة لا تكفي لعلاج صدمات عميقة ومتعددة الطبقات لم نعرف مثلها من قبل. في القضايا العادية نقدم للإنسان علاجًا لمدة سنة أو سنتين. النفس تحتاج إلى وقت”.
وزارة الصحة: الهدف تحسين الاستفادة من الموارد
توضح وزارة الصحة في مسودة التعميم أن الهدف هو:
“إنشاء منظومة خدمات ذات جودة ومتاحة، ومتوازنة، تقدم خدمة مهنية ودقيقة للمريض الفرد، مع الاستخدام الأمثل للموارد”.
ويأتي ذلك في ظل الارتفاع الكبير في الطلب على خدمات الصحة النفسية خلال السنوات الأخيرة، وخاصة منذ اندلاع حرب “السيوف الحديدية”.
وفقًا لبيانات وزارة الصحة، تقدم خدمات الصحة النفسية المجتمعية حاليًا استجابة لنحو 400 ألف شخص سنويًا، وأكثر من 3 ملايين جلسة علاجية. وخلال العامين الماضيين، وبسبب الحرب، تم تجنيد مئات المعالجين وافتتاح عشرات العيادات الجديدة.
لكن الوزارة تقول إن النظام لا يزال يواجه تحديات، منها الفجوات في أساليب العمل والإدارة بين المؤسسات المختلفة، وفترات انتظار طويلة للعلاج، وعدم التوازن في توزيع الجلسات.
9% من المتعالجين يستهلكون 40% من الموارد
تقول الوزارة إنه لو كانت غالبية العلاجات تُجرى وفق بروتوكولات مبنية على الأدلة، لكان من المتوقع أن يحصل معظم المرضى على نحو 15 جلسة علاجية.
وتشير الوزارة إلى أن نصف المتعالجين (50%) الذين تلقوا علاجًا بين عامي 2022 و2024 أنهوا العلاج بعد 1–5 جلسات فقط، بينما فإن 9% ممن يتلقون أكثر من 40 جلسة يستهلكون 40.4% من إجمالي جلسات العلاج النفسي في النظام.
وبحسب التعميم، سيكون الحد المعتاد للعلاج النفسي الفردي هو 15 جلسة، مع إمكانية تمديده إلى 30 جلسة بموافقة مدير الإطار العلاجي، وفي حالات استثنائية فقط يمكن تمديده إلى 45 جلسة.
مخاوف من زيادة البيروقراطية
تحذر منظمات الصحة النفسية من أن آليات الرقابة والموافقة الجديدة ستؤدي إلى عبء إداري كبير، وقد تضر باستمرارية العلاج بسبب عدم تخصيص موظفين إداريين داعمين.
وقالت البروفيسورة روت:
“الحل ليس تقديم استجابة جزئية جدًا للجميع. الأمر يشبه وجود دواء للسرطان يجب إعطاؤه بجرعة معينة، لكن بسبب زيادة عدد المرضى نقسمه بين ثمانية أشخاص. ربما زدنا عدد المستفيدين، لكن قد يموتون لأنهم لم يحصلوا على الجرعة المطلوبة”.
وأضافت:
“أنا أفهم ضائقة وزارة الصحة التي تواجه نظامًا ينهار، لكن الحل هو ضخ ميزانيات ضخمة من وزارة المالية، وليس تقليص عدد الجلسات”.
رد وزارة الصحة
قالت وزارة الصحة:
“تضع وزارة الصحة مجال الصحة النفسية على رأس أولوياتها، وتعمل على تقليص الفجوات وزيادة توفر وجودة الخدمات والقوى العاملة، مع الاستخدام الأمثل للموارد لصالح جميع المواطنين”.
وأضافت:
“لا توجد نية لفرض تقييد إداري، وسيبقى هناك تقدير سريري لكل مريض. الهدف هو ضمان استخدام حكيم وفعال للموارد، وإدارة العلاج النفسي بطريقة مهنية وفعالة، مع تحديد أهداف علاجية وفحص التقدم وتحديد مدة علاج مناسبة، ومنح المعالجين حرية مهنية لتمديد العلاج حسب الحاجة السريرية”.
وأكدت الوزارة أن مسودة التعميم نُشرت للحصول على ملاحظات الجمهور، وأن الملاحظات التي وصلت قيد الدراسة قبل صياغة النسخة النهائية.



