بعد وجبة غنية أو يوم مرهق، قد نشعر أحيانًا بأن المعدة ليست على ما يرام: الانتفاخ، والثقل، والتجشؤ، أو الإحساس المزعج بالامتلاء حتى لو لم نتناول كميات كبيرة من الطعام. كثيرًا ما نصف كل هذه الأعراض بجملة واحدة: “أعاني من عسر الهضم”. لكن ما هو عسر الهضم بالتحديد؟ وهل يرتبط دائمًا بنوع الطعام الذي تناولناه؟ هذا ما تشرح لنا إختصاصية التغذية ومدربة الحياة ديانا عميش في هذا المقال لـ “سيدتي”.

ما هو عسر الهضم؟
عسر الهضم أو Dyspepsia ليس مرضًا بحد ذاته، بل هو مصطلح يشير إلى مجموعة من الأعراض التي تظهر غالبًا في الجزء العلوي من الجهاز الهضمي. يمكن أن يحدث بشكل عابر بعد تناول وجبة معينة، بينما يعاني منه بعض الأشخاص بشكل متكرر مما يؤثر على راحتهم وعلاقتهم بالطعام.
والأهم أن عسر الهضم لا يعني بالضرورة أن المعدة غير قادرة على “هضم الطعام” كما قد نعتقد أحيانًا. قد تكون هناك أسباب متعددة وراء ذلك، وفي بعض الحالات لا يظهر سبب عضوي واضح، مما يدفعنا للحديث عن ما يسمى عسر الهضم الوظيفي.
كيف نعرف أننا نعاني من عسر الهضم؟

الأعراض تختلف من شخص لآخر. قد يشعر أحدهم بالانتفاخ، بينما شخص آخر قد يعاني من الحرقة أو الامتلاء السريع.
من العلامات الأكثر شيوعًا هو الشعور بالألم أو الانزعاج في أعلى البطن، خاصة في المنطقة بين أسفل عظمة الصدر والسرة. وغالبًا ما يتم وصف هذا الشعور كضغط أو ثقل أو حرقة.
هناك أيضًا الشبع المبكر. حيث تبدأ بتناول وجبتك وتجد نفسك تشعر بالامتلاء بعد تناول كمية صغيرة جدًا من الطعام، مما يجعل من الصعب عليك إكمال الطبق المعتاد.
وفي حالات أخرى، قد يستطيع الشخص تناول الوجبة بشكل طبيعي، لكنه يبقى يشعر بعد ذلك لفترة طويلة بالامتلاء والثقل.
الانتفاخ والغثيان والتجشؤ المتكرر قد تكون أيضًا جزءًا من الصورة.
وفي بعض الأحيان، تترافق هذه الحالة مع حرقة المعدة، ولكن من المهم أن نفهم أن حرقة المعدة وعسر الهضم ليسا نفس الشيء. حرقة المعدة ترتبط عادةً بارتجاع محتويات المعدة إلى المريء، بينما عسر الهضم يشمل مجموعة واسعة من الأعراض في أعلى البطن.
ينصح بمراعاة فوائد السنامكي: العشبة السحرية لتنظيف الجسم وتعزيز صحة الجهاز الهضمي.
لماذا يحدث عسر الهضم؟
عندما نواجه مشكلة، غالبًا ما نلقي اللوم على آخر شيء تناولناه. أحيانًا يكون للطعام دور بالفعل، لكن ليس دائمًا بهذه البساطة.
الأطعمة الدسمة أو الغنية بالدهون، الأطعمة الحارة، المشروبات الغازية والكافيين قد تزيد الأعراض لدى بعض الأشخاص. ولكن الأطعمة المحفزة تختلف من شخص لآخر، ومن ثم لا توجد حلول تناسب الجميع.
الجهاز الهضمي والدماغ يتواصلان باستمرار، لذا قد تظهر الضغوط النفسية والتوتر كأعراض جسدية حقيقية في الجهاز الهضمي. ربما لاحظت في فترات الضغط أنك تعاني من الغثيان، أو أن معدتك تصبح أكثر حساسية، أو أن وجبة كنت تأكلها عادةً دون مشكلة أصبحت فجأة مزعجة.
هذا لا يعني أن الأعراض “نفسية” أو غير حقيقية، بل يبرز قوة العلاقة بين العقل والجهاز الهضمي.
كما أن بعض الأدوية قد تسبب أو تزيد من عسر الهضم، بما فيها مضادات الالتهاب غير الستيرويدية مثل الإيبوبروفين والأسبرين. وفي بعض الحالات، قد يكون عسر الهضم مرتبطًا بحالات مثل التهاب المعدة أو القرحة أو العدوى ببكتيريا H. pylori.
لذلك، إذا أصبحت الأعراض متكررة، لا نفترض تلقائيًا أن السبب هو الطعام.
كيف نقلل من عسر الهضم؟
لا تحتاجين دائمًا إلى نظام غذائي معقد. أحيانًا تكون بعض التغييرات الصغيرة في طرق تناول الطعام أكثر فعالية من قائمة طويلة من الممنوعات.
من الناحية الغذائية، هناك مجموعة من الخطوات التي يمكنك تجربتها لتخفيف الأعراض، مع العلم أنه لا توجد خطة واحدة تناسب الجميع.
- قللي حجم الوجبة قبل أن تبدئي بحذف الأطعمة: هذه من النصائح الأولى التي يمكنك تجربتها. أحيانًا لا تكمن المشكلة في نوع الطعام نفسه، بل في الكمية. إذا شعرت بالثقل أو الامتلاء بعد الأكل، جربي تقسيم طعامك إلى وجبات أصغر بدلاً من تناول وجبة واحدة كبيرة، خاصة في المساء.
- لا تصلي إلى الوجبة وأنت جائعة جدًا: ترك فترات طويلة بين الوجبات قد يجعلك تأكلين بسرعة وبكمية أكبر مما تحتاجين. وجود نوع من الانتظام في الوجبات قد يساعدك على تناول الطعام بشكل أهدأ، خصوصًا إذا لاحظت أن الجوع الشديد يترافق دائمًا مع شعور بالثقل أو الانتفاخ.
- تمهلي أثناء الأكل: تناول الوجبة بسرعة أصبح عادة شائعة، خاصة خلال أيام العمل. نأكل أمام الكمبيوتر، أثناء استخدام الهاتف أو بين الاجتماعات، ثم نشعر بعد ذلك بعدم الراحة. حاولي الجلوس لتناول الطعام، خذي وقتك في المضغ وتوقفي للحظة بين اللقم. الهدف ليس الوصول إلى عدد معين من مرات المضغ، بل إعطاء الوجبة وقتها.
- قليلي الوجبات الدسمة عندما تكون معدتك حساسة: الأطعمة المقلية، الصلصات الثقيلة والكميات الكبيرة من الدهون قد تزيد من شعور الامتلاء لدى بعض الأشخاص. إذا لاحظت ذلك، اختاري في الأيام التي تشتدين فيها الأعراض طرق طهي بسيطة مثل الشوي أو الخبز، مع وجبات أخف وأكثر راحة بالنسبة لك. لكن هذا لا يعني حذف الدهون تمامًا من نظامك الغذائي، بل تعديل الكمية والنوعية حسب تحمل جسمك.
- راقبي تناول القهوة: ليس من الضروري أن تكون الخطوة الأولى هي التوقف عن تناول القهوة تمامًا. ولكن إذا كنت تشربين عدة أكواب يوميًا وتعانين من عسر الهضم أو الحرقة، جربي تقليل الكمية لفترة ومراقبة الفرق. وينطبق الأمر نفسه على المشروبات الغازية، فقد تزيد الغازات والتجشؤ والانتفاخ لدى البعض.
- وزعي الماء على مدار اليوم: الترطيب مهم جدًا، لكن بدلاً من شرب كمية كبيرة جدًا من السوائل دفعة واحدة أثناء الوجبة، حاولي توزيع الماء بشكل متوازن على مدار اليوم، واشربي بصورة طبيعية أثناء تناول الطعام بحسب حاجتك.
- لا تستلقي مباشرة بعد الطعام: إذا كان عسر الهضم لديك يترافق مع الحرقة أو الارتجاع، فإن وقت تناول الطعام يصبح أكثر أهمية. تناول وجبة كبيرة ثم الاستلقاء مباشرة قد يزيد الأعراض لدى بعض الأفراد. لذلك حاولي إعطاء جسمك بعض الوقت بعد الوجبة، وخصوصًا قبل النوم.
- كما قد يكون من المفيد تجنب الوجبات الكبيرة جدًا في وقت متأخر من الليل إذا كنتِ تلاحظين حدوث أعراض بعد ذلك.
- جرّبي المشي الخفيف بعد الوجبة: لا تحتاجين إلى ممارسة رياضة بعد الأكل مباشرة. لكن المشي الهادئ لمدة 10 إلى 15 دقيقة قد تكون عادة بسيطة ونافعة لبعض الأشخاص.
- الفكرة هي يمكن القليل من الحركة بدلاً من الانتقال مباشرة من مائدة الطعام إلى الأريكة أو السرير.
- لا تمنعي كل شيء… اكتشفي ما يسبب لك الإزعاج: عندما يبدأ عسر الهضم، قد يلجأ البعض مباشرة إلى حذف القهوة، الغلوتين، منتجات الألبان، الفواكه، البهارات وغيرها مرة واحدة. المشكلة أن ذلك قد يؤدي إلى نظام غذائي محدود جدًا دون التعرف على السبب الحقيقي. بدلاً من ذلك، راقبي الأعراض لبضعة أيام.
- اسألي نفسك: ماذا أكلت؟ ما حجم الوجبة؟ هل تناولتها بسرعة؟ كم كوبًا من القهوة شربت؟ هل كانت الوجبة دسمة؟ متى بدأت الأعراض؟ وكيف كان مستوى التوتر لديك في ذلك اليوم؟ هذه التفاصيل قد تساعد في اكتشاف نمط واضح. الهدف ليس الخوف من الطعام، بل فهم جسمك بشكل أفضل.
- لا تنسي التوتر: إذا كنت تقومين بكل التغييرات الغذائية الممكنة ولكن الأعراض تستمر في الظهور خلال الأيام المليئة بالتوتر، فقد لا يكون الحل هو حذف المزيد من الأطعمة. النوم الجيد، ممارسة الرياضة، التنفس ببطء، أخذ فواصل، وتخصيص وقت فعلي لتناول الطعام بعيدًا عن ضغوط العمل كلها عوامل تستحق الاهتمام.
- صحة الجهاز الهضمي تعتمد ليس فقط على محتويات ما نأكله، بل أيضًا على الظروف التي نتناول فيها تلك الأطعمة.
ما رأيك في الاطلاع على مجموعات غذائية قد تسبب الانتفاخ حسب علم التغذية.
متى لا ينبغي تجاهل عسر الهضم؟
عسر الهضم العرضي شائع، لكن تكراره المستمر يتطلب تقييمًا، خصوصًا إذا بدأ يؤثر على تناولك للطعام أو حياتك اليومية.
كما توجد علامات يجب ألا نتعامل معها على أنها مجرد “عسر هضم”، منها فقدان الوزن دون سبب واضح، القيء المتكرر أو القيء المصحوب بالدم، صعوبة أو ألم أثناء البلع، البراز الأسود، الألم الشديد والمستمر، فقدان الشهية أو ضيق التنفس.
كذلك، الألم في الصدر أو الفك أو الرقبة أو الذراع يحتاج إلى تقييم طبي سريع.
وجود إحدى هذه العلامات لا يعني تلقائيًا وجود مشكلة خطيرة، لكنه يمثل إنذارًا بأنه من الأفضل عدم الاكتفاء بتغيير النظام الغذائي أو تناول أدوية من تلقاء نفسك.
وفي الختام… إذا كانت معدتك تزعجك باستمرار، لا تشرعي في محاربة الطعام.
عسر الهضم لا يعني أنه هناك قائمة طويلة من الأطعمة التي يجب تجنبها للأبد. في كثير من الأحيان، نحتاج أولًا إلى النظر إلى الصورة الكاملة: ماذا نأكل، وكم نأكل، وكيف نأكل، ومتى نأكل، وحتى في أي حالة نفسية نتناول وجباتنا.
نصائح عامّة من اختصاصية التغذية
ومن أهم النصائح من وجهة نظر اختصاصية التغذية: لا تجعلي الحل الأول هو حذف مجموعات كاملة من الطعام.
الهدف ليس تقليص قائمة الأطعمة التي تستطيعين تناولها بشكل متزايد، بل فهم أسباب الأعراض وبناء نظام غذائي متنوع ومريح للجهاز الهضمي في الوقت نفسه.
وإذا استمرت الأعراض رغم هذه التغييرات، أو كانت شديدة ومتكررة، فمن الأفضل مراجعة الطبيب لاستبعاد وجود مشكلة تتطلب العلاج، وبعدها يمكن وضع خطة غذائية بناءً على التشخيص.
من المهم معرفة أن كوبًا من النعناع الدافئ قبل النوم يوفر فوائد لا تتوقعينها لصحتك وبشرتك.
* ملاحظة من “سيدتي”: يجب استشارة طبيب مختص قبل تطبيق هذه الوصفة أو العلاج.
