
يحاول الرئيس الأميركي عبثاً تحقيق إنجاز يبرر للناخب الأميركي جدوى الحرب التي تواصل الولايات المتحدة شنها على إيران. ورغم أن الرئيس ترامب يتحدث بين الحين والآخر عن أهداف يسعى لتحقيقها، إلا أن الهدف الأساسي يبقى هو السيطرة على حرية الحركة عبر مضيق هرمز، وهذا يقود إلى السيطرة على النفط والغاز في المنطقة، بما في ذلك إيران، كأهداف مباشرة تدعم الأهداف الاستراتيجية في حال تحقيقها. ولم تنجح حملات الإدارة الأميركية في إقناع الناخب الأميركي بادعاءات ترامب بأن جيشه قد دمر الاقتصاد الإيراني والبرنامج النووي ونقاط إطلاق الصواريخ والدفاعات الجوية والقوات البحرية الإيرانية.
يتفاخر ترامب بأنه قضى على الصفين الأول والثاني من القيادات العسكرية والسياسية، لكنه يغفل أن إيران تمكنت بسرعة من ملء الفراغات وإعادة تنظيم صفوفها وهياكل قيادتها.
الوقائع على الأرض تفند كل تلك الادعاءات وتفقد تصريحات ترامب مصداقيتها. فإذا كانت تلك الانتصارات صحيحة، فلماذا تستمر الحرب الاقتصادية، ويواصل الحصار على المضيق، ثم يعود لتوجيه ضربات لبعض الأصول الإيرانية؟ ما الذي يبقي النظام الإيراني قائماً ويواصل الرد على الضغوط بضربات مؤلمة للأصول الأميركية في المنطقة؟ إذا كانت ادعاءات ترامب صحيحة، لكان الأمر قد تطلب الاستسلام الكامل، أو التوجه نحو سياسة إنقاذ ما يمكن إنقاذه. الواقع يشير بوضوح إلى أن إيران لا تزال تتحكم في حركة المرور عبر المضيق، وتمتلك القدرة على إلحاق أذى كبير بالقوات والقواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة.
تخلى ترامب عن مذكرة التفاهم التي أيدها في بداية الأمر، ثم تراجع عنها وصرح بأنها لا تساوي الحبر الذي كتبت به، وذلك بعد أن اكتشف أنها تخدم مصالح إيران وتظهر ضعف الولايات المتحدة. وبالنسبة للحرب الاقتصادية التي تشنها الولايات المتحدة، فإنها تمثل تهديداً واضحاً للنظام والمجتمع الإيراني، حيث تتوازى مع الحصار الذي فرضته إسرائيل على قطاع غزة، لكن ترامب يبدو غير مدرك للاختلاف. التهديدات المباشرة من الإدارة الأميركية عبر وزير الخزانة تضمنت أن الولايات المتحدة ستعاقب كل من يحاول خرق حصارها الاقتصادي، لكن ردود الفعل من المجتمع الدولي كانت تفوق قدرتها على الردع.
كانت من بين الردود الأولى من الصين، حيث أصدرت وزارة خارجيتها بياناً صادماً يتحدى الولايات المتحدة، معلنة أنها لن تسمح لأي طرف بالإضرار بمصالحها الاقتصادية، مما يعني أنها ليست مستعدة للخضوع للتهديدات الأميركية.
كما أن هناك دولاً أخرى خرقت الحصار دون إعلانات، بينما تقدم كندا مثالاً ملموساً على المواجهة عبر اتخاذ إجراءات مضادة، مما يفتح ثغرة كبيرة في جدار الهيمنة الأميركية. يبدو أن ترامب لا يزال يعيش في عالم مليء بالأوهام حول القوة الأميركية القادرة على السيطرة على مصالح وسياسات الدول، ويتجاهل أن ذلك الزمن قد ولى، وأن هناك قوى صاعدة تستطيع الصمود وتقديم خيارات لمن يملك القليل من الكرامة والسيادة.
يمر الوقت ثقيلاً على الإدارة الأميركية، مع اقتراب الانتخابات النصفية التي تشير إلى احتمالات فوز الديمقراطيين، الذين يستعدون في حال فوزهم لإجراء إجراءات لعزل الرئيس، الذي يصنف نفسه كأحد أعظم الرؤساء الأميركيين.
بينما يتخبط ترامب في خياراته ويفشل في تحقيق أي إنجاز ينقذه وينقذ حزبه، يسعى نتنياهو لتحقيق إنجاز ينقذه ويدعم ائتلافه الحكومي.
رغم الفروق المنطقية في أداء الرؤساء الأميركيين، إذ وقع بعضهم في أخطاء وخطايا، بينما ظل مسار الولايات المتحدة تصاعدياً إلى أن وصل ترامب ليكون الرئيس الذي يقودها نحو التراجع والانهيار وفقدان الهيبة والردع والتأثير.
ترامب هو الرئيس الذي يعتبر نفسه أنقذ إسرائيل من الزوال، ولكن ماذا سيحدث لإسرائيل حين يغادر البيت الأبيض ويفقد الدعم السخي من الولايات المتحدة؟ الولايات المتحدة تشهد تغيرات كبيرة وغير مسبوقة، وإدارة ترامب تشهد أكبر عدد من المقالين والمستقيلين من مسؤولين مقربين، وآخر المستقيلين وزير الجيش الأميركي الذي يصبح السابع في عدد الجنرالات الذين قفزوا من السفينة التي تعاني من عواصف مدمرة، ولن يكون الأخير بسبب الارتباك والتناقض بين من يتخذ القرارات غير المدروسة ومن لا يمكنه تحمل المسؤولية عن تنفيذها. الحرب مستمرة، ولا تزال نتائجها وتداعياتها على المنطقة والعالم وعلى الطرفين الأميركي والإيراني، غير مستقرة، ولكن لا تشير إلى خدمة المصالح الأميركية والإسرائيلية.
بينما يتخبط ترامب في خياراته، ويتعذر عليه تحقيق إنجاز ينقذه، يسعى نتنياهو لتحقيق إنجاز مماثل ينقذه ويعزز ائتلافه. يكرر نتنياهو ما يزعمه حول إزالته تهديداً وجودياً واغتياله لقيادات إيرانية وحماسية ومن «حزب الله»، ويدعي أنه حقق إنجازات مهمة، لكن كل هذه المزاعم لم تحسن من فرصه في الانتخابات.
لقد وضع نتنياهو إسرائيل على حافة الانهيار، بعد فشل كل حروبه في تحقيق أهدافه المعلنة، إلى أن أصبحت إسرائيل دولة منبوذة عالمياً، والعديد من مسؤوليها معرضون للملاحقات القضائية. وأخيراً يعتقد أنه حقق إنجازاً من خلال تضخيم عملية اعتقال القيادي في حماس معين العربيد، رئيس جهاز الأمن الداخلي، والذي ادعى أيضاً أنه المسؤول عن الأسرى الإسرائيليين قبل الإفراج عنهم. هل سيقتنع الإسرائيليون بأن مثل هذا الإنجاز يمكن أن يغير من موازين القوى؟ هناك شك كبير في ذلك.
