تتجه الأزمة الإقليمية نحو تحول خطير غير مسبوق، حيث تتزايد التحالفات المسلحة العابرة للحدود. ويظهر التنسيق بين الحوثيين والميليشيات العراقية توحيد الجهود العسكرية لاستهداف البنية التحتية للطاقة في السعودية.
كما أفادت وكالة “أسوشيتد برس” بأن طهران تتجه إلى هذا الأسلوب لتعويض إخفاقات حلفائها التقليديين من خلال فتح جبهات ضغط جديدة، مما يهدد بزعزعة استقرار خطوط الملاحة في البحر الأحمر وإمدادات النفط العالمية.
أبعاد التنسيق بين الحوثيين والفصائل العراقية في استهداف السعودية
أفاد مسؤولون إقليميون بدور جماعة أنصار الله “الحوثيين” اليمنية في التخطيط والتدريب وتنفيذ هجوم مشترك باستخدام الطائرات بدون طيار، والذي استمر لمدة يومين بالتعاون مع فصائل عراقية مسلحة، بعد ضربات جوية من الولايات المتحدة والسعودية.
وجاء هذا التعاون الميداني بعد تعرض شبكة الفصائل المدعومة من إيران لضربات قوية بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، مما أدى إلى تراجع القدرة العسكرية لحزب الله اللبناني، الذي كان يعد الركيزة الأساسية لإيران.
هذا الوضع دفع القيادة الإيرانية إلى تعزيز الضغط من العراق واليمن على السعودية وشركائها في الخليج، بهدف زيادة الأعباء على الحرب التي أطلقتها أمريكا وإسرائيل في فبراير الماضي.
تحمل هذه التوجهات مخاطر شديدة؛ ففي يوم الثلاثاء، هددت الهجمات الحوثية على المواقع النفطية السعودية بتصعيد الصراع، بينما طالبت الحكومة العراقية الفصائل المسلحة بنزع سلاحها، مما قوبل برفض من المجموعات الموالية لطهران، في ظل المساعي الأمريكية المستمرة لتعزيز الحصار الاقتصادي على إيران.
أكد مسؤولان سعوديان، استناداً إلى تقارير استخباراتية، وجود عناصر حوثية في غرفة عمليات تديرها الفصائل العراقية لضرب الأراضي السعودية.
ردت واشنطن والرياض بتنفيذ ضربات مشتركة أسفرت عن مقتل 20 مسلحاً عراقياً، و6 مستشارين عسكريين إيرانيين، ومسؤول حوثي واحد على الأقل، وهي أعداد أكدها قيادي في الحوثيين ومصدر في إحدى الميليشيات العراقية.
وذكر مسؤول عسكري أمريكي أنه سقط عناصر حوثية في الضربات السابقة في العراق، معبراً عن قلق بلاده من هذا التواجد وتهديده لدول الجوار، ولا سيما السعودية.
في المقابل، نفى مسؤولان في هيئة الحشد الشعبي، المعنية بالأمن العراقي وتضم فصائل قريبة من إيران، أي دور لها في استهداف السعودية أو احتضان عناصر حوثية.
تشهد التنسيقات المشتركة تصاعداً خلال حرب غزة، حيث تم شن هجمات تستهدف إسرائيل، وأشار زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي إلى أن العمليات كانت تُدار من غرفة مشتركة.
بعد اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير، ركزت طهران وحلفاؤها على استهداف دول الخليج والقوات الأمريكية الموجودة هناك.
أوضح مستشار رئيس البرلمان الإيراني مهدي محمدي في يونيو عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن طهران تطبق خطة هجينة تتضمن تعدد الجبهات ووسائل القتال.
يرى أحمد ناجي، كبير محللي الشأن اليمني في “مجموعة الأزمات الدولية”، أن تواجد الحوثيين خلال حرب غزة أفسح المجال أمامهم للتواجد في العراق ورغبة لدى الفصائل المحلية في التعاون، مما حول دورهم إلى تبادل المهارات القتالية وخلق ضغط إضافي على السعودية.
تأثير التعاون بين الحوثيين والفصائل العراقية على الملاحة والنفط
أعلن الحوثيون قبل أسبوع من الضربات بطائرات مسيرة فرض حظر على حركة السفن السعودية في البحر الأحمر، مما أثر على مسارات الملاحة الدولية، مع حدوث ارتباك للملاحة في مضيق هرمز.
وفقاً لبيانات مؤسسة “أكليد” المعنية بتتبع النزاعات، نفذ الحوثيون أكثر من 12 هجوماً على منشآت نفطية وسفن سعودية منذ نهاية يوليو.
استهدفت الضربات يوم الثلاثاء المنشآت النفطية والمرافق في جنوب السعودية، مما أدى إلى إصابة أكثر من 70 شخصاً، بينهم نساء وأطفال، وفقاً للبيانات الرسمية، مما أجبر ناقلات النفط السعودية على اتخاذ تدابير للتهرب من الضربات وإغلاق أجهزة تتبعها في مياه البحر الأحمر.
وكانت السعودية قد غيرت مسار شحناتها النفطية إلى البحر الأحمر لتفادي إغلاق مضيق هرمز، وتوجهت نحو خط أنابيب “سوميد”، حيث ارتفعت الإمدادات من 650 ألف برميل يومياً في يونيو إلى أكثر من 1.9 مليون برميل في أغسطس، حسب بيانات الملاحة على منصة “كبلر”.
كما أظهر الحوثيون قدرتهم على تهديد هذا المسار، بعد أن أصابت أحدى ناقلات النفط السعودية بصاروخ شمال البحر الأحمر أثناء إبحارها من ينبع إلى السويس، على بعد نحو ألف كيلومتر من مناطق سيطرتهم.
في هذا الصدد، قال آدم بارون، الخبير في الشأن اليمني بمركز “نيو أمريكا” في واشنطن، إن الحوثيين لا يمانعون في تحمل خسائر حالية لكسب نفوذ مستقبلي على سواحل البحر الأحمر، مشيراً إلى أن آلية الحرب قد تحركت دون أي جهود دولية لإيقافها، بينما تركز الولايات المتحدة على إيران وتحجم الرياض عن الدخول في صراعات مباشرة في اليمن مرة أخرى.
أسباب المواجهة وجذور الأزمة بين الحوثيين والسعودية
بدأ الصراع عام 2014 عندما سيطر الحوثيون على العاصمة صنعاء، مما دفع السعودية للتدخل عسكرياً في عام 2015 لدعم الحكومة المعترف بها دولياً، خوفاً من ظهور قوة مسلحة مشابهة لحزب الله على حدودها الجنوبية.
أدت تلك الحرب، وفقًا للأرقام الصادرة عن الأمم المتحدة، إلى وفاة ما لا يقل عن 150 ألف شخص وحدوث مجاعات واسعة، مع انهيار الهدنة التي استمرت بشكل عام منذ عام 2022.
فرض الحصار السعودي ضغطاً على الحوثيين، مما دفع الجماعة الموالية لإيران إلى تصعيد عملياتها.
وأشارت إليزابيث كيندال، الخبيرة في الشأن اليمني بجامعة كامبريدج، إلى أن تجدد المعارك قد يمنح الحوثيين فرصة للسيطرة على حقول النفط والغاز في شرق اليمن.
تمتلك الجماعة ترسانة من الأسلحة المتطورة التي تم تهريبها متجاوزة الحظر الأممي، حيث تشمل العتاد المضبوط أسلحة إيرانية الصنع، رغم نفي طهران تزويدهم بالسلاح، إلى جانب الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيرة والزوارق والغواصات عن بعد.
تخوض القوات الحكومية اليمنية صراعات مع الحوثيين في مناطق مثل تعز ومدينة الحديدة الساحلية، بينما تقوم الجماعة بشن هجمات على ميناء المخا، الذي يُعتبر المنفذ البحري الأخير للحكومة على البحر الأحمر.
وترى كيندال أن الرياض تتجنب بشكل مباشر استهداف الحوثيين في الوقت الحالي، لكن استمرار التصعيد سيجبرها على اتخاذ تدابير صارمة لإنهاء هذا النزاع بشكل نهائي.
