تفرض الصراعات العسكرية المسلحة التزامات قانونية وأخلاقية لحماية المدنيين والأعيان غير العسكرية، لكن تصاعد المواجهات في الشرق الأوسط قد نقل مسار المعارك إلى ساحات التوثيق الجنائي الدولي. حيث يكشف تحقيق أممي عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا جراء ضربات جوية وهجمات أمنية واسعة، ليتحول الواقع المسجل إلى ملفات توثيقية تعزز الأدلة المتراكمة.
وقد أفادت لجنة تقصي الحقائق المستقلة التابعة لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة في تقرير يوم الخميس بأنها توصلت إلى وجود “أسباب معقولة” للادعاء بأن القوات الأمريكية ارتكبت جرائم حرب خلال تنفيذ ضربتين جويتين داخل الأراضي الإيرانية. كما وجهت اللجنة اتهامات مباشرة للحكومة الإيرانية بارتكاب انتهاكات جسيمة ترقى لمستوى الجرائم ضد الإنسانية بحق مواطنيها.
من المقرر عرض نتائج هذا التقرير غير الملزم يوم الاثنين المقبل أمام المجلس المكون من 47 دولة في جنيف، برئاسة الحقوقية سارة حسين.
الضربات الأمريكية وتوثيق وقائع قصف مدرسة ميناب ومدينة لامرد
ركزت النتائج المتعلقة بجرائم الحرب الأمريكية في إيران على استهداف موقعين مدنيين بضربات جوية في 28 فبراير الماضي، بالتزامن مع انطلاق العمليات العسكرية المشتركة بين أمريكا وإسرائيل، وهذه الضربات أسفرت عن سقوط ما لا يقل عن 178 مدنيًا، بينهم نساء وأطفال.
وأكد التقرير إطلاق صواريخ “توماهوك” التي أصابت مدرسة “شجرة طيبة” في مدينة ميناب الجنوبية، مشددًا على أن مبنى المدرسة كان هدفًا مباشرًا للقصف، حيث لم تكن الأضرار ناتجة عن خطأ عملياتي أو إصابات جانبية لاستهداف مجمع الحرس الثوري المجاور.
يتوافق هذا مع تحقيق أجرته وكالة “أسوشيتد برس” الذي أكد إصابة صاروخ أمريكي للمدرسة، بينما أعلنت إيران عن سقوط 168 قتيلا، غالبيتهم من التلاميذ، وسط امتناع إدارة ترامب عن إعلان المسؤولية المباشرة وحجب البنتاجون لنتائج تحقيقاته الرسمية.
كما شملت التوثيق ضربة جوية ثانية استهدفت مدينة لامرد الجنوبية في اليوم نفسه، باستخدام صواريخ موجهة محملة بكريات التنجستن، مما أدى إلى مقتل 22 مدنيًا داخل مجمع رياضي وحي سكني، فيما نفت القيادة المركزية الأمريكية مسؤوليتها عن تلك الضربة.
واعتبرت البعثة الأممية أن هذه العمليات تمثل شروعا في شن هجمات عشوائية ألحقت خسائر بالأرواح ودمارًا بأعيان مدنية محمية بموجب القوانين الدولية.
جرائم أجهزة الأمن الإيرانية وتصاعد أحكام الإعدام
في الوقت نفسه، وثق التقرير ارتكاب قوات الأمن الإيرانية عمليات قتل وقمع واسعة على مدار العامين الماضيين وصفها الخبراء بأنها وقعت على نطاق مروع، معتبرين أن هذه الممارسات تشكل جرائم ضد الإنسانية ارتكبت في إطار هجوم منهجي ضد السكان.
شملت الانتهاكات استخدام إطلاق النيران من أسلحة آلية لتفريق الحشود، وقمع المتظاهرين باستخدام القوة المفرطة، وتوقيف الكوادر الطبية، وممارسة التعذيب بحق المحتجزين، مع الحرمان من الاستعانة بمحامين وتجهيل عائلاتهم بمكان احتجازهم.
ولفت الخبراء إلى تصاعد وتيرة أحكام الإعدام في طهران، حيث يواجه أكثر من 70 شخصًا، من بينهم 5 نساء و3 أطفال، خطر الإعدام الوشيك، مما يضع سلوك الأجهزة الرسمية في خانة الأفعال “اللاإنسانية والاضطهاد المنظم”.
رد البيت الأبيض وإدارة ترامب على الاتهامات
قوبل التقرير برفض قاطع من الرئاسة الأمريكية؛ حيث أصدر البيت الأبيض بيانًا شديد اللهجة هاجم فيه مصداقية الهيئة الحقوقية.
وقد صرحت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي يوم الخميس بأن مجلس حقوق الإنسان لم ينجز شيئًا يخدم حقوق الإنسان بل واصل نشر الأكاذيب لعقود طويلة. وشددت كيلي على براءة القوات الأمريكية، قائلة: “إن الطرف الوحيد في هذا الصراع الذي ارتكب جرائم حرب هو النظام الإيراني، الذي قتل الآلاف من أبنائه، وقتل أفرادًا أمريكيين في الخارج، ونفذ أعمالا إرهابية في مضيق هرمز، وشن هجمات عشوائية ضد جيرانه في المنطقة”.
منهجية التحقيق وعوائق جمع البيانات والمطالبة بالتعويضات
طالبت البعثة المستقلة الحكومتين الأمريكية والإيرانية بإنهاء كافة الانتهاكات ودفع تعويضات مالية وقانونية كاملة للضحايا وذويهم.
وقد استند التحقيق إلى منهجية توثيقية ركزت على الضحايا، وشملت استجواب 73 شاهدًا داخل إيران وخارجها، بالإضافة إلى فحص وثائق وصور ملتقطة بالأقمار الاصطناعية ومقاطع مرئية مقدمة من جهات موثوقة.
وأشار الخبراء إلى أن استمرار النزاع المسلح وما صاحبه من نزوح للسكان وانقطاع لشبكات الإنترنت وضعف التعاون الحكومي قد أعاق جزئيًا عمليات التوثيق، حيث تجاهلت الحكومة في طهران نحو 13 طلبًا رسميًا للحصول على بيانات، وهذا الموقف كان مشابهًا للحكومة الأمريكية التي امتنعت عن الرد على طلبات قدمت في يونيو لعقد لقاءات وتوفير معلومات.
لمتابعة المزيد من الأخبار العاجلة: موقع مشوار الإخباري
