
فلسطين – أظهرت مراجعة للبيانات المالية لجامعة كولومبيا الأمريكية أنها قدمت مئات الآلاف من الدولارات على مدى السنوات الثلاث الماضية لمنظمات مؤيدة لإسرائيل، في وقت تشدد فيه الجامعة إجراءاتها فيما يتعلق بالاحتجاجات الداعمة لفلسطين داخل الحرم الجامعي، بينما تلقت المنظمات الفلسطينية والعربية والإسلامية مبالغ متواضعة أو لم تتلق تمويلًا مماثلًا.
وفقًا لتقرير نشره موقع “ذي إنترسبت”، تعتبر الجامعة، التي تعد واحدة من أبرز المؤسسات التعليمية الأمريكية وعضو في رابطة “آيفي”، قدمت أموالًا لعدد من المنظمات المؤيدة لإسرائيل، بما في ذلك جهات مرتبطة بلجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية “أيباك” و”تحالف إسرائيل في الحرم الجامعي”، بالإضافة إلى “رابطة مكافحة التشهير”.
وأشار التقرير إلى أن وتيرة الإنفاق على هذه المنظمات زادت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، تزامنًا مع الأحداث التي وقعت في أعقاب السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وازدياد الاحتجاجات الطلابية داخل الجامعات الأمريكية ضد الحرب على غزة.
في المقابل، أظهر تحليل المستندات التي تتبع جزءًا من الأموال الممنوحة من قبل المؤسسات غير الربحية المعفاة من الضرائب، أن جامعة كولومبيا قدمت مبالغ محدودة للغاية أو لم تقدم أموالًا على الإطلاق لمجموعات مؤيدة لفلسطين أو مجموعات عربية وإسلامية خلال نفس الفترة.
وذكر التقرير أن جامعة كولومبيا دفعت خلال السنة المالية المنتهية في حزيران/يونيو 2024 مبلغ 100 ألف دولار إلى منظمة “تحالف إسرائيل في الحرم الجامعي”، بالإضافة إلى 75 ألف دولار أخرى إلى “المؤسسة الأمريكية الإسرائيلية للتعليم”، التابعة لـ”أيباك”.
وجاءت هذه المدفوعات في ظل إيقاف إدارة الجامعة، بشكل عاجل، نشاط مجموعتين طلابيتين تدعمان فلسطين، وهما “صوت يهودي من أجل السلام” و”طلاب من أجل العدالة في فلسطين”.
كما قامت إدارة الجامعة بحل مخيمات التضامن مع غزة، واستدعت شرطة مدينة نيويورك لاعتقال متظاهرين مؤيدين لفلسطين في مناسبتين منفصلتين.
وكان المحتجون يطالبون الجامعة بالكشف عن علاقاتها المالية مع إسرائيل والمنظمات المؤيدة لها، بالإضافة إلى سحب استثماراتها منها.
قال جوزيف هاولي، أستاذ الدراسات الكلاسيكية بجامعة كولومبيا وعضو هيئة التدريس اليهودي، إن البيانات المالية تعكس المخاوف التي انتابت العديد من أعضاء الجامعة منذ خريف عام 2023، معتبرًا أن السياسات المؤيدة لإسرائيل والمناهضة للفلسطينيين تعكس السياسة الرسمية للمؤسسة.
وأضاف، وفقًا لـ”ذي إنترسبت”، أن سلوك الجامعة وخطابها يعكسان هذا الاتجاه، ولكن تخصيص الموارد داخل المؤسسة يقدم دليلًا إضافيًا عليه.
من جانبها، أوضحت جامعة كولومبيا أن المنح الواردة في التقرير كانت مقدمة عبر “صندوق يدار بتوجيه من المانحين” تحت إشراف الجامعة.
وأوضح متحدث باسم الجامعة أن هذا النوع من الترتيبات يسمح للمؤسسة غير الربحية بجمع تبرعات قابلة للخصم الضريبي، مع إتاحة الفرصة للمانحين لتوجيه مبالغ محددة إلى مؤسسات خيرية أخرى.
وادعى المتحدث أن هذه المنح لم تكن من أموال التشغيل الخاصة بالجامعة، بل كانت مدفوعات وزعت من صندوق يدار بتوجيه من المانحين، وقد أُنشئ الصندوق داخل الجامعة وفقًا لقواعد مصلحة الضرائب الأمريكية.
وأشار “ذي إنترسبت” إلى أن هذه الصناديق التي تدار بتوجيه من المانحين أصبحت وسيلة شائعة تتيح للمتبرعين إخفاء هوياتهم عند تقديم التبرعات.
قال مارك دي فوسكو، خبير في المعاملات المالية داخل مؤسسات التعليم العالي، إن هذا النظام يتسم بالضبابية، حيث يمكن تقديم التبرعات دون الكشف عن هوية المتبرع.
خلال العقد الماضي، قدمت جامعة كولومبيا 250 ألف دولار للذراع التابعة لمنظمة “أيباك”، المعروفة باسم “المؤسسة الأمريكية الإسرائيلية للتعليم”، بما في ذلك دفعة تبلغ 75 ألف دولار خلال السنة المالية المنتهية في حزيران/يونيو 2023، ودفعة أخرى قدرها 100 ألف دولار في السنة المنتهية في حزيران/يونيو 2017.
تصف المؤسسة الأمريكية الإسرائيلية للتعليم نفسها على موقعها الإلكتروني كمنظمة خيرية تابعة لـ”أيباك”، وأشار التقرير إلى أن المجموعة معروفة بتمويلها رحلات لأعضاء الكونغرس لزيارة إسرائيل.
أما “تحالف إسرائيل في الحرم الجامعي”، وهي جهة أخرى تلقت أموالًا من الجامعة، فتقول إن هدفها هو توحيد الجهود الدعائية المؤيدة لإسرائيل داخل الجامعات والعمل من أجل مستقبل “تُهمش فيه الحركة المناهضة لإسرائيل”.
قدم التحالف برنامج زمالة في جامعة كولومبيا، ويظهر موقع الجامعة أن طالبًا واحدًا حصل على هذه الزمالة بين عامي 2022 و2024.
كشف التقرير أيضًا أن جامعة كولومبيا دفعت 450 ألف دولار إلى اتحاد “النداء اليهودي الموحد في نيويورك” خلال السنة المالية المنتهية في حزيران/يونيو 2024.
ذكرت المنظمة على موقعها الإلكتروني أنها أنفقت، منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، مئات الملايين من الدولارات في إسرائيل، بما في ذلك عشرات الملايين لدعم الجنود الإسرائيليين وعائلاتهم.
أبرز “ذي إنترسبت” أن المنظمات المؤيدة لإسرائيل التي تلقت أموالًا من الجامعة تظهر بوضوح بين الجهات المستفيدة المدرجة في السجلات المالية للجامعة، خاصة أن الإفصاحات المالية السابقة كانت تهيمن عليها المنح المقدمة للجامعات الأمريكية ومراكز الأبحاث الطبية.
في عام 2024، وجهت الجامعة أكثر من 170 دفعة مالية من أصل 440 دفعة في هذه الفئة لدعم التعليم العالي، بينما خصصت أكثر من 120 دفعة لمبادرات الرعاية الصحية.
في السنة المالية المنتهية في حزيران/يونيو 2025، دفعت جامعة كولومبيا مبلغ 7200 دولار إلى “رابطة مكافحة التشهير” مقابل ما وصفته بـ”خدمات برامجية”، وفقًا للتقرير.
لم توضح الجامعة تفاصيل الخدمات التي قدمتها الرابطة خلال تلك الفترة، بينما أعلنت في تموز/يوليو 2025 عن شراكة مع المنظمة لتنفيذ “أنشطة وبرامج تدريبية” حول “معاداة السامية”.
جاء الإعلان عن الشراكة بعد شهر واحد من تشبيه جوناثان غرينبلات، رئيس الرابطة، الطلاب المحتجين الداعمين لفلسطين بـ”الإرهابيين الإسلاميين”، وفقًا لـ”ذي إنترسبت”.
قالت مريم علوان، ناشطة أمريكية من أصل فلسطيني شاركت في احتجاجات داخل الحرم الجامعي تضامنًا مع غزة قبل تخرجها من جامعة كولومبيا عام 2025، إن السبب الرئيسي للاحتجاجات كان إدراك الطلاب وجود استثمارات للجامعة في الحرب على غزة.
أضافت أن النتائج التي توصل إليها التقرير تؤكد ما كان المحتجون يقولونه طوال الوقت.
من جهته، قال محمود خليل، أحد أبرز المفاوضين للطلاب المحتجين في الجامعة، إن الجامعة ينبغي أن تستثمر في طلابها بدلاً من تمويل منظمات وصفها بأنها “ترهبهم”.
أضاف خليل أن ما يحدث يأتي في وقت تخضع فيه الجامعة لسيطرة أصحاب توجهات أيديولوجية في مجلس الأمناء، معتبرًا أن التزامهم تجاه إسرائيل يبدو أهم من واجبهم الائتماني أو الحرية الأكاديمية أو مصلحة الطلاب التي ينبغي أن تخدمهم الجامعة.
كما أثار قرار الجامعة بتمويل منظمات تدافع تحديدًا عن إسرائيل استغراب عدد من الطلاب والخريجين وأعضاء هيئة التدريس الذين تحدث إليهم الموقع.
قال أهارون دارديك، طالب إسرائيلي تخرج من كولومبيا في وقت سابق من العام وخضع سابقًا لمحاكمة عسكرية لرفضه الخدمة في الجيش، إن الجامعة في هذه المرحلة لا تهتم سوى بأموال المتبرعين والمصالح الأيديولوجية التي يتبناها هؤلاء المتبرعون.
قال طالب في جامعة كولومبيا، فضل عدم الكشف عن هويته خشية التعرض لإجراءات انتقامية، إن الحديث عن الحياد المؤسسي لا يعكس الواقع، معتبرًا أن البيانات المالية تثبت أن التزامات الجامعة الحقيقية تكمن في الجانب المؤيد لإسرائيل.
