
غزة – ترفع بعض الأمهات راية الفقد، لكن سماح العرابيد الخالدي، المعروفة بكنيتها «أم محمد»، رحلت وهي تحمل سلاحا وتخوض اشتباكا دفاعا عن زوجها المصاب ونجليها، بعدما حاصرتهم قوة خاصة تحت غطاء جوي غرب مدينة غزة.
وبحسب رواية شقيقها محمد الخالدي، كانت سماح تقف قرب منزل العائلة عندما أصيب نجلها خلال اشتباك مع القوة الخاصة، قبل أن يتعرض للقصف، فيما كان زوجها معين العرابيد، الضابط في جهاز الأمن الداخلي، مصابا يحاول الاحتماء قرب جذع شجرة.
وفي تلك اللحظة، لم تغادر سماح المكان، ولم تكتف بالبكاء على زوجها ونجلها، بل حملت سلاح ابنها، واحتمت خلف جذع شجرة، وبدأت بإطلاق النار باتجاه حافلة القوة الخاصة، في محاولة لمنع عناصرها من الوصول إلى زوجها المصاب.
ويقول شقيقها إن سماح كانت ترتدي إسدال الصلاة وتمسك سلاح «كلاشينكوف»، وإنها ظهرت في تسجيل مصور متداول وهي تطلق النار باتجاه الحافلة.
ويضيف أن القوة الخاصة كانت تحاول الوصول إلى زوجها بعد إصابته بعدة رصاصات في قدمه، فيما اشتبك أفراد آخرون من العائلة مع القوة، قبل أن يتدخل الطيران بقصف المكان، ما أتاح للقوة الخاصة الوصول إلى العرابيد واختطافه.
من فرحة إشهار إلى بيت عزاء
قبل أيام قليلة من الحادثة، كانت سماح تستعد لفرحة إشهار وعقد قران نجلها الثالث «عبيدة»، الذي كان من المقرر أن يحتفل بزواجه وسط العائلة والأقارب.
لكن الموعد الذي كانت تنتظره العائلة تحول إلى عزاء، بعدما استشهدت سماح خلال الاشتباك، فيما أصيب نجلها عبيدة وفقد إحدى عينيه.
ويقول شقيقها محمد الخالدي إن شقيقته كانت «فرحة بشكل كبير» بعقد قران ابنها الثالث، بعدما تزوج ابنها البكر قبل أربع سنوات، فيما تزوج ابنها الثاني قبل نحو أربعة أشهر.
ويضيف: «كانت الظروف الأمنية تحجم ترتيبات إشهار القران، فاتصلت علينا وأصرت على حضورنا وكانت تتأمل أن تتم الأمور على خير».
وفي بيت عزاء العائلة بشارع الجلاء في مدينة غزة، جلس محمد لاستقبال المعزين، في الوقت الذي كان يفترض أن يكون فيه في قاعة فرح لاستقبال المهنئين بزفاف ابن شقيقته.
وبينما يحاول التماسك أمام وقع الفقد، يقول محمد: «لم تكن شقيقتي سماح أختا فقط بل كانت بمرتبة أم بكل معنى الكلمة، كنت أعتبرها أمي الثانية، ومهما تحدثنا عنها فلن نوفيها حقها».
اشتباك تحت غطاء جوي
يقول محمد إن خبر تسلل قوة خاصة إلى غرب مدينة غزة وصل إليه الثلاثاء الماضي، قبل أن يتفاجأ بتداول اسم زوج شقيقته معين العرابيد ضمن تفاصيل الحادثة.
ويضيف: «هو بالعادة لا يتواجد مع أبنائه وزوجته، ربما جاء لزيارتهم ليوم واحد للاطمئنان عليهم، لكني تفاجأت باتصال من أحد الأقارب يخبرني باستشهاد شقيقتي وأسره من الجيش فت كانت صدمة كبيرة».
ويكشف شقيق سماح تفاصيل يقول إنها لم تظهر بوضوح في التسجيل المصور المتداول، موضحا أن العرابيد زحف مصابا باتجاه جذع شجرة محاولا الاحتماء من الطائرات، قبل أن تصل إليه حافلة القوة الخاصة.
ويقول: «لو جرى تكبير الصورة في الفيديو هناك فتحة بين غصنين، تظهر فيها شقيقتي أم محمد ترتدي إسدال الصلاة وتمسك بسلاح كلاشينكوف، وتطلق النار تجاه الحافلة وتدافع عن زوجها بعدما حملت السلاح بعد قصف طائرات الجيش لنجلها أثناء اشتباكه مع القوة».
ويضيف أن نجلها أصيب بثلاث طلقات في صدره، قبل أن يتعرض للقصف، فيما كانت القوة الخاصة تعتقد أن الاشتباك انتهى، لتفاجأ بسماح وهي تدخل المواجهة.
ويتابع: «إطلاق الرصاص الذي أظهره الفيديو لم يكن باتجاه أبو محمد، بل كان باتجاه شقيقتي. لم تكن مهمة القوة الخاصة سهلة، فكل أفراد العائلة اشتبكوا معهم وحدث تبادل لإطلاق النار».
وبحسب روايته، أدى الاشتباك إلى تدخل الطيران وقصف اثنين من أبناء سماح، أحدهما فقد عينه والآخر نقل إلى العناية المكثفة، فيما استشهدت هي، بينما واصل زوجها الاشتباك قبل أن تتمكن القوة الخاصة من اعتقاله.
ويقول محمد إن العرابيد ومرافقه وابنه ابتعدوا عن المنزل نحو 30 مترا عندما بدأ الهجوم، وإن محاولة اعتقاله فشلت في البداية بعد تبادل إطلاق النار مع الحارس ونجله، قبل أن يصاب أثناء محاولته العودة إلى المنزل.
«كانت أمّا للجميع»
وعلى الرغم من صورة المقتولة التي ظهرت بها في اللحظات الأخيرة، يصف شقيقها سماح بأنها كانت شديدة الرقة والحنان، ويقول إن ما دفعها إلى حمل السلاح كان تعلقها بزوجها وخوفها عليه وعلى أبنائها.
ويقول: «هي حنونة جدا وقلبها رقيق وهي أم للجميع، كانت تحب زوجها كثيرا ولم أرَ زوجة تخاف على زوجها وتحبه بمقدار ما رأيت من شقيقتي».
ويضيف أن سماح كانت كريمة، وحافظة لأجزاء من القرآن الكريم، وأن القرآن كان نهجا في حياتها، مشيرا إلى أنها عاشت خلال سنوات الحرب حالة مستمرة من القلق والخوف على زوجها وعائلتها.
وقبل الحرب بنحو شهرين، سافر محمد برفقة شقيقته إلى تركيا، وهي رحلة يستعيد تفاصيلها اليوم بحزن، قائلا إنه كان يرى فيها «الطاقة الإيجابية وملامحها التي تشع سعادة وفرحا».
أما خلال الحرب، فيقول إنها عانت كثيرا من القلق والتفكير في مصير زوجها، خصوصا في ظل ظروفه الأمنية.
دعوة إلى الفرح انتهت بعزاء
تقول شقيقتها سحر الخالدي إن سماح اتصلت بها قبل أيام من استشهادها ودعتها إلى حضور إشهار قران نجلها الثالث، من دون أن تدرك أن الدعوة ستقودها في النهاية إلى بيت عزاء.
وتستذكر سحر شقيقتها قائلة: «كانت سعيدة وأعدت ترتيبات لذلك، وعزمت الأهل والأحباب».
وتضيف أن سماح لم تكن حنونة مع أفراد عائلتها فقط، بل كانت معروفة بكرمها وعطائها وحسن سيرتها، قائلة: «أبنائي يحبونها كثيرا، كانت كريمة ومعطاءة ولم تؤذِ شخصا قط وكانت تسامح وتعفو حتى عن من يؤذيها».
وتشير إلى أن شقيقتها عاشت خلال السنوات الثلاث الأخيرة ظروفا قاسية، وتحملت الخوف والقلق والنزوح إلى جنوب القطاع، كما لم تتمكن من وداع والدتها التي بقيت في شمال القطاع.
وتقول إن عودتها إلى غزة كانت محملة بالشوق إلى عائلتها، قبل أن تنتهي قصتها في المكان الذي كانت تستعد فيه لفرحة جديدة لابنها، لتتحول الدعوة إلى عقد قران إلى مجلس عزاء، وتبقى قصتها، كما يرويها أفراد عائلتها، شاهدة على تعلقها بزوجها وأبنائها حتى اللحظات الأخيرة.
