
عامان كاملان خلف القضبان ليستا مجرد مدة زمنية تُختصر برقم في ملف أسير، بل تعني مئات الأيام التي تبدأ بصوت الأبواب الحديدية والاقتحام وتنتهي في الزنازين، ووجبات قليلة لا تفي بالغرض، ونوم متقطع، وخوف دائم من التفتيش والاقتحام والعقوبة، وقلق لا يغادر الأسير بشأن عائلته ومصيرها.
في الخارج، يستمر تدفق الزمن بصورة طبيعية، بينما داخل السجن، قد يكون اليوم الواحد طويلًا كالشهر، والشهر قد يتحول إلى عام كامل من الانتظار والمعاناة.
داخل السجون الإسرائيلية، لا يتجلى الجوع فقط في غياب الطعام، بل يصبح حالة يومية تفرض نفسها على تفاصيل حياة الأسير، أن تستيقظ متفكرًا في موعد الوجبة التالية، وأن تستلم طعامًا لا يكفي جسدًا منهكًا بالمرض والإرهاق، ثم تضطر إلى تقسيم ما حصلت عليه من خبز أو طعام لتتمكن من مواجهة الساعات القادمة.
مع مرور الأيام، يتحول الطعام من حاجة طبيعية إلى هاجس يسيطر على التفكير، ويصبح الشبع حلمًا يصعب تحقيقه، فالجوع المستمر لا يقتصر تأثيره على المعدة، وإنما ينجم عنه آثار جسيمة على الجسم ككل، حيث يفقد الأسير الوزن، وتضعف قدرته على الحركة، وتتناقص مقاومته للأمراض، بينما تصبح الأمراض المزمنة والإصابات أكثر خطورة في ظل نقص العلاج والرعاية الطبية.
وقد تحدث أسرى محررون عن فقدان وزن كبير خلال فترة احتجازهم، وعن حالات إغماء وضعف شديد نتيجة نقص الغذاء وسوء ظروف الاحتجاز، وقد زاد هذا بدرجة كبيرة خلال فترات الأعياد اليهودية، وخاصة ما يُعرف بالبيسح، حيث تقل الوجبات، وتصير المناسبات الدينية بالنسبة لهم مرتبطة بالمزيد من العقاب والإذلال والجوع.
ومع ذلك، الجوع ليس الوجه الوحيد للألم، بل هناك وجع آخر لا يظهر بسهولة في التقارير الطبية، وهو وجع الإهانة اليومية ومحاولات كسر الكرامة الإنسانية.
أن يُعامل الإنسان كرقم، وأن يُصرخ في وجهه، ويُشتم في كل وقت، وأن يخضع للضرب والتفتيش المتكرر، وأن يُجبر على تنفيذ أوامر مهينة، وأن يعيش في حالة دائمة من الترقب والخوف من العقوبة؛ كل ذلك يترك تأثيرًا يتجاوز الجسد إلى النفس.
الإذلال في السجن لا يحدث بالضرورة في لحظة واحدة، بل يتراكم يومًا بعد يوم، إهانة صغيرة تتبعها أخرى، وصراخ يتكرر، وتفتيش مهين، وحرمان من أبسط الخصوصيات، حتى يصبح الأسير أمام محاولة مستمرة لتحويل الإهانة إلى جزء طبيعي من حياته. ولذلك فإن مقاومة الأسير لا تكون دائمًا في صورة مواجهة مباشرة، بل قد تبدأ من كل ما هو بسيط جدًا: أن يحافظ على ترتيب مكانه، أن يرفع معنويات زميله، أن يقرأ، أو يحفظ، أو يتعلم، أو يشارك الآخرين ما لديه من طعام.
داخل الزنزانة، تصبح التفاصيل الصغيرة ذات قيمة مختلفة، قطع صغيرة من الخبز يتقاسمها أسيران قد تكون وجبة كاملة في لحظة جوع، كلمة من رفيق قد تمنع انهيارًا نفسيًا، خبر من العائلة قد يُغير مزاج يوم كامل، ورسالة قصيرة من طفل يمكن أن تكون أقوى من كل جدران السجن، حيث لا يعيش الأسير فقط ألم ما يحدث له، بل يحمل معه عالمًا كاملاً تركه خلفه.
عامان من الاعتقال تعنيان أيضًا عامين من الغياب عن الأسرة، طفل يكبر دون أن يرى والده، أم تنتظر خلف الباب، زوجة تتحمل أعباء البيت بمفردها، ومناسبات عائلية تمر دون صاحبها، قد يعود الأسير ليجد أبناءه قد تغيروا، وأن طفلًا كان يحمله في ذراعيه أصبح شابًا، وأن والديه تقدما في العمر، وأن تفاصيل كثيرة من الحياة التي كان يجب أن يعيشها معهم أصبحت مجرد ذكريات.
لذا، فإن الأسر لا ينتهي بالضرورة عند لحظة فتح باب السجن، فقد يخرج الأسير بجسد منهك من الجوع والمرض، وبآثار إصابات أو مشكلات صحية لم تكن موجودة قبل الاعتقال، ولكنه قد يحمل أيضًا آثارًا نفسية يصعب رؤيتها بسهولة، كالأرق، والخوف من الأصوات المفاجئة، والقلق، واضطراب النوم، والانشغال المستمر بما عاشه داخل السجن، كل هذه الأمور قد تبقى معه بعد أن يغادر الزنزانة.
منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، أبلغت مؤسسات حقوقية فلسطينية ودولية عن تدهور حاد في ظروف احتجاز الأسرى الفلسطينيين داخل السجون ومراكز الاعتقال الإسرائيلية، بما يتضمن شكاوى متكررة من سوء التغذية، والاكتظاظ، والاعتداءات، والحرمان من العلاج، وسوء ظروف النظافة، بالإضافة إلى القيود المشددة على الزيارات والحقوق الأساسية للأسرى.
غير أن الأرقام وحدها لا تستطيع أن تفسر ماذا يعني أن يعيش إنسان عامين في هذه الظروف، فهناك الآلاف ممن يعيشونها حتى هذه اللحظة، الرقم يقول إن مدة اعتقالي 730 يومًا تقريبًا، لكنه لا يبين كم مرة نام الأسير جائعًا، وكم مرة تحمل الألم دون دواء، وكم مرة أُهين أمام إخوانه، وكم مرة أخفى خوفه حتى لا يراه الآخرون، وكم مرة فكر في أمه وزوجته وأطفاله وهو خلف باب مغلق.
السجن، في هذه الحالة، لا يصبح مجرد مكان تُسلب فيه الحرية، بل عالمًا كاملًا تُعاد فيه صياغة تفاصيل الحياة وفق قوانين القوة والمنع والعقاب، يصبح الطعام امتيازًا، والنوم تحديًا، والعلاج مطلبًا، والخصوصية حلمًا، بينما يحاول الأسير كل يوم أن يحافظ على الحد الأدنى من شعوره بذاته وكرامته.
قد يكون أقسى ما في تجربة الأسير أن السجن لا يكتفي بسرقة حريته؛ بل يحاول أن يجعل الألم اعتياديًا، ويجعل الإهانة جزءًا من الروتين، والجوع أمرًا مألوفًا.
لكن الإنسان الذي يخرج من السجن بعد كل ذلك، وهو لا يزال قادرًا على تذكر اسمه، وأهله، وبيته، وأحلامه، وعلى الحديث عما عاشه، فهو قد احتفظ بالشيء الذي حاول السجن انتزاعه منه طوال تلك السنوات: إحساسه بأنه إنسان.
