
فلسطين – تشعر حكومة إسرائيل بقلق متزايد حيال الانتخابات النصفية الأمريكية، وسط تحذيرات بأن خسارة الجمهوريين لسيطرتهم على الكونغرس قد تفتح المجال أمام مرحلة جديدة في العلاقات بين واشنطن وإسرائيل، تتضمن فرض شروط على المساعدات العسكرية وزيادة الضغوط السياسية.
وحذّر رئيس التحالف الجمهوري اليهودي، نورم كولمان، خلال القمة السنوية للتحالف في لاس فيغاس، من عواقب فوز الديمقراطيين في أي من مجلسي الكونغرس، داعيًا المانحين والشخصيات السياسية الفاعلة إلى اعتبار انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر معركة مصيرية لمستقبل العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية.
وأشار كولمان إلى أنه في حال تمكن الديمقراطيون من السيطرة على أحد المجلسين، لن يكتفوا بـ”كبح جماح الرئيس”، بل سيسعون لـ”وقف” الجهود الرامية إلى تعزيز التحالف الأمريكي-الإسرائيلي، و”ربط” المساعدات الأمريكية لإسرائيل بشروط معينة، بالإضافة إلى النظر إلى “الدفاع اليهودي عن النفس كخطيئة أصلية”.
ونقلت صحيفة “فايننشال تايمز” أن تصريحات كولمان تأتي في إطار حملة تقودها جماعات مؤيدة لإسرائيل، تضم ناشطين يهود وإنجيليين وقادة جمهوريين بارزين، لجمع الدعم للمرشحين الجمهوريين، خوفًا من أن تزعزع نتائج الانتخابات العلاقة التاريخية بين واشنطن وتل أبيب.
وأضاف كولمان أن نتيجة الانتخابات “ستحدد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتعامل مع إسرائيل كحليف أم كمصدر إزعاج”.
وبحسب الصحيفة، شهد الرأي العام الأمريكي تجاه حكومة إسرائيل تحولات كبيرة في السنوات الأخيرة، خصوصًا منذ اندلاع الحرب على غزة.
وقد أوضح عالم السياسة في جامعة بنسلفانيا، إيان لوستيك، أن العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية كانت في السابق تحظى بدعم واسع من كلا الحزبين، لدرجة أن نتائج الانتخابات، بما في ذلك الانتخابات النصفية، لم تكن تحدث فارقًا كبيرًا في طبيعة العلاقة.
وأفاد بأنه على مدار عقود، كان المسؤولون المنتخبون من الحزبين يدعمون المساعدات العسكرية السنوية لإسرائيل، بالإضافة إلى دعم استخدام واشنطن حق النقض في الأمم المتحدة لمنع القرارات التي تضر بإسرائيل.
لكن الحرب على غزة والصراع مع إيران، كما يقول لوستيك، ساهمتا في تغيير هذا السياق، مع تزايد الانتقادات الأمريكية لسياسات إسرائيل.
وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة “بيو” للأبحاث في حزيران/يونيو أن 62% من الأمريكيين ينظرون بشكل سلبي إلى حكومة إسرائيل، بينما لا تزال 51% من الجمهوريين تنظر إليها بإيجابية.
أما في الحزب الديمقراطي، فقد تراجعت نسبة من يحملون وجهة نظر إيجابية تجاه حكومة إسرائيل من 35% في عام 2022 إلى 16% حاليًا.
مع تراجع التأييد الشعبي الأمريكي، باتت حكومة إسرائيل تعتمد بشكل أكبر على علاقاتها بالحزب الجمهوري، في الوقت الذي تصاعدت فيه انتقادات شخصيات يهودية بارزة في الحزب الديمقراطي لسياسات الحكومة الإسرائيلية، بينهم أعضاء مجلس الشيوخ تشاك شومر وبيرني ساندرز وجون أوسوف.
وذكر السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، يحيئيل ليتر، لـ”فايننشال تايمز”: “لا يهم أساسهم على الإطلاق”.
وترى الصحيفة أن مشكلة إسرائيل لم تعد محدودة على الحزب الديمقراطي، إذ انتقلت الشكوك حول العلاقة مع تل أبيب إلى القاعدة اليمينية التي ينتمي إليها الرئيس الأمريكي، الذي يصف نفسه بأنه “الرئيس الأكثر تأييدًا لإسرائيل على الإطلاق”.
وفي محاولة لطمأنة المؤيدين لإسرائيل، شارك نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، المنتمي إلى الجناح المناهض للتدخل داخل الحزب الجمهوري، في القمة السنوية للمجلس الجمهوري اليهودي، مؤكدًا، بحسب المشاركين، أنه يعمل بتعاون وثيق مع المسؤولين الإسرائيليين ويدرك أهمية العلاقة بين واشنطن وإسرائيل.
وأوضح فانس أن “العلاقة مع إسرائيل مفيدة لأمريكا”، بينما نقل عن المتحدث السابق باسم البيت الأبيض آري فليشر أن نائب الرئيس أعرب عن شعوره بارتباط روحي أعمق “عند تجوله في شوارع المقارنة ببعض العواصم الأوروبية”.
لكن تصريحات فانس لم تضع حدًا لمخاوف مؤيدي إسرائيل، خصوصًا بعدما امتنع عن إدانة شخصيات يمينية بارزة تنتقد الدعم الأمريكي لإسرائيل، وعلى رأسهم المعلق المحافظ تاكر كارلسون، الذي وصفه فانس بأنه “صديق”.
وكان فانس قد صرح في وقت سابق، خلال ظهوره في بودكاست جو روغان، بأن حكومة إسرائيل تسعى للتأثير على السياسة الأمريكية، وأنها عملت على تقويض جهود الإدارة في المفاوضات مع إيران.
واستدعت تصريحاته انتقادات من شخصيات مؤيدة لإسرائيل، بما في ذلك المعلق المحافظ سيد روزنبرغ، فيما دعت السفيرة الأمريكية السابقة لدى الأمم المتحدة نيكي هالي فانس لاختيار الجناح المؤيد لإسرائيل أو الجناح الذي يقوده كارلسون.
ووفقًا لمحللين سياسيين، فإن فانس يدرك تزايد الانتقادات لإسرائيل بين الشباب الجمهوريين، الذين أصبحوا أكثر تقبلاً لمواقف شخصيات محافظة بارزة، من ضمنهم كارلسون ومارجوري تايلور غرين وتوماس ماسي.
ويتهم هؤلاء المحافظون الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل بأنه يتعارض مع رؤية ترامب “أمريكا أولًا”، خصوصًا في ظل التداعيات الاقتصادية والعسكرية للصراع مع إيران.
وزادت التوترات المستمرة بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من قلق جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.
وبحسب تقارير نقلها موقع “أكسيوس”، فإن ترامب قد أبدى استياءه من نتنياهو خلال مكالمة هاتفية في حزيران/يونيو، قائلًا له: “الجميع يكرهك الآن”، وذلك بعد أن أشار سابقًا إلى أن إسرائيل “لن تنجح بدوننا”.
ويؤكد مسؤولون إسرائيليون وجمهوريون على ضرورة بذل المزيد من الجهود لشرح الأهمية الاستراتيجية للعلاقة مع واشنطن للأمريكيين، لكنهم يقللون من حجم مؤشرات التوتر.
وقال رون ديرمر، وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي السابق، خلال فعالية للمجلس الجمهوري اليهودي، ردًا على سؤال حول وضع العلاقة: “نحن اليهود لدينا قدرة فريدة على رؤية الكأس فارغة جزئيًا”.
وقد دفعت مؤشرات تراجع شعبية إسرائيل في الولايات المتحدة، بما في ذلك بين الإنجيليين الأمريكيين، الحكومة الإسرائيلية إلى تكثيف جهودها للتأثير في الرأي العام والسياسة الأمريكية.
وذكر لوستيك أن الحكومة الإسرائيلية بدأت تستثمر “مبالغ طائلة” في حملتها للضغط السياسي، مع توجيه أموال إلى التجمعات المسيحية في جنوب الولايات المتحدة لتعزيز الدعم الذي كانت تحظى به سابقًا.
كما استعانت الحكومة الإسرائيلية العام الماضي بمدير حملة ترامب السابق، براد بارسكيل، ودفعت له أكثر من 31 مليون دولار لإنتاج إعلانات مؤيدة لإسرائيل، بدءًا من نيسان/أبريل من العام الجاري، وفقًا لوثائق حكومية اتحادية.
