
في أقل من 24 ساعة، تمكن الحوثيون من السيطرة على 2600 كيلومتر مربع من الأراضي التي كانت تحت سيطرة جماعة طارق عبد الله صالح، نجل الرئيس اليمني الذي أسقطته الثورة. وقد قُتل طارق لاحقاً على يد الحوثيين بعد أن تحالف معهم.
ماذا يعني ذلك؟
يعني أن قوات الحوثي تتمتع بتنظيم أفضل وتسليح متفوق، وأيضاً تعكس عقيدة قتالية واضحة الأهداف، بينما يبدو خصومهم السياسيون وكأنهم مرتزقة؛ حيث تسيطر الفوضى التنظيمية على صفوفهم، وتتحكم بهم المصالح الخاصة، ولا يقاتلون بناءً على عقيدة، بل يتلقون توجيهات من دول مثل الإمارات والسعودية بما يخدم مصالحها.
من الطبيعي، في ميزان القوى، أن ينتصر الطرف الأكثر تنظيماً والأفضل تسليحاً، والذي يمتلك إيماناً عميقاً بمبادئه وأهدافه.
صراع مرشح للاستمرار
في رأيي، سيستمر الصراع اليمني لفترة طويلة، وسوف يتسبب في دمار واسع. فالحرب الأهلية، على المدى الطويل، لا ينتج عنها طرف منتصر وآخر مهزوم، إذ ينتهي الأمر بجميع الأطراف خاسرة، وإن بنسب متفاوتة.
ولإنهاء هذا الصراع الداخلي المدمر لليمن، والذي لا يستفيد منه سوى أعداء الأمة، فإن الشعب اليمني هو من يدفع الثمن الأكبر. لهذا، من الضروري اتخاذ قرارات تاريخية من القيادة الحكيمة في هذا البلد، وخاصة من أكبر قوتين منظمتين لهما قاعدة شعبية واسعة: الحوثيون وحزب الإصلاح اليمني.
منذ بداية الحرب، كان الهدف، وفقاً لهذا الطرح، من قبل السعودية والإمارات هو القضاء على جماعة الإخوان المسلمين في اليمن، التي يمثلها حزب الإصلاح، وكذلك القضاء على الحوثيين، من خلال فتح صراع دموي بينهما يعطل جميع جهود التنمية، كونهما حركتين لهما عقيدة وتملك بنى تنظيمية وعسكرية متماسكة.
كما استهدفت هذه الاستراتيجية استنزاف الثورة اليمنية وإفراغها من مضمونها التحرري، سواء على الصعيد السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، بهدف إجهاضها كما حدث في مصر وليبيا، وإعادة عبد الله صالح إلى الحكم من جديد.
من صنعاء إلى “عاصفة الحزم”
هذا ما يفسر، بحسب هذا الطرح، الدعم السعودي والإماراتي للحوثيين في البداية، وتمكينهم من دخول صنعاء، وتزويدهم بالسلاح والمال، رغم ارتباط الحوثيين بإيران وقربهم العقائدي من الشيعة الإثني عشرية.
لكن ما فاجأ الجميع هو إدراك حزب الإصلاح لهذه المؤامرة وسحبه من صنعاء، ما سمح للحوثيين بدخول العاصمة دون قتال، مما ألقى بظلال من الشك على الخطة السعودية الإماراتية وورطها.
بعد نجاح الحوثيين في السيطرة على صنعاء، تعززت العلاقات بينهم وبين إيران، وازدادت النفوذ الإيراني في اليمن، وأصبح تهديداً لمصالح السعودية.
حينها، تبنت السعودية مفهوم دعم الشرعية اليمنية الممثلة بالرئيس عبد ربه منصور هادي، لتشكيل ائتلاف عسكري وسياسي عربي، وبدأت حرباً معروفة باسم “عاصفة الحزم” على الحوثيين، والتي استمرت لسنوات، مستخدمة إمكانياتها العسكرية.
لكنها، وفقاً لهذا الطرح، خرجت من المعركة مهزومة هي وحلفاؤها، ولم تتمكن من تحقيق أهدافها، رغم الخسائر الكبيرة التي أوقعتها في صفوف الحوثيين، بالأخص في قاعدتهم الاجتماعية.
وخرج الحوثيون من هذه الحرب أكثر قوة وثباتاً.
غزة وتعزيز حضور الحوثيين
مع التصعيد في غزة، اتخذ الحوثيون موقفاً داعماً للفلسطينيين، وقاموا بتقديم ما يلزم، لكنهم تعرضوا، جراء هذا الموقف، لعدوان من الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل، مما أسفر عن سقوط العشرات من شهدائهم ومصابيهم.
وخرج الحوثيون من هذه المواجهة، وفقاً لهذا التقييم، أكثر قوة وصلابة، وزادت تعاطف الشعوب العربية والإسلامية معهم.
مصالحة تاريخية أم “صومال جديد”؟
إن الحديث عن إزالة الحوثيين من الساحة اليمنية والانتصار عليهم هو، في رأيي، أمر بعيد عن الواقع.
تقتضي الحكمة أن تكون هناك مصالحة تاريخية بين مكونات الشعب اليمني، وخاصة بين حزب الإصلاح والحوثيين، كونهما من أكبر الفصائل السياسية والعسكرية في اليمن، تؤدي إلى صياغة دستور جديد، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وصولاً إلى تشكيل قيادة سياسية تضمن العدالة الاجتماعية والحرية للجميع.
إذا لم يحدث ذلك، فإن ما ينتظر اليمن هو “صومال جديد”، قد ينتهي بتقسيم البلاد إلى ثلاث دويلات: دويلة للحوثيين مدعومة من إيران، ودويلة في الجنوب مدعومة من الإمارات، ودويلة في الشرق مدعومة من السعودية، تتقاتل فيما بينها.
وستكون الخاسرة الأكبر من ذلك هي الشعب اليمني الذي سيفقد موارده وينتشر فيه الفقر والتخلف والجهل.
فهل من إرادة شجاعة ومخلصة تخلص اليمن مما هي فيه؟
نأمل ذلك، فاليمن يستحق كل خير.
