
على الرغم من الاعتقاد السائد بأن السيناريو الأكثر احتمالًا هو تأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية إلى العام المقبل، أو استبدالها بتشكيل مجلس وطني جديد يُنتخب رئيس دولة فلسطين (وهو ما ترفضه الأطراف المعنية باعتباره إجراءً أحاديًا، حيث لم يتم الاتفاق على إقامة الدولة الفلسطينية سواء في “أوسلو” أو بعده. وكان الخيار الأول الذي تفضله القيادة الفلسطينية الرسمية، كما يتضح من صدور مرسوم إجراء انتخابات المجلس الوطني الذي تم تغييره لاحقًا تحت الضغط الأوروبي والرفضين الأميركي والإسرائيلي)، فسيتم تشكيل المجلس الوطني عبر التعيين والمجمعات الانتخابية. وقد أفاد مصدر موثوق بأن هذا الموضوع مطروح على طاولة البحث في مكتب الرئيس، ولعل ذهاب الوفود إلى أماكن تواجد الفلسطينيين، وتنظيم مجمعات انتخابية وفق معايير محددة، دليل إضافي على ذلك.
وحسب ما يتم تداوله، يشمل النقاش أيضًا إحياء المجلس التشريعي المنحل بقرار المحكمة الدستورية، حيث يرى اجتهاد قانوني أن قرار حله غير دستوري، وأن المحكمة قد أخطأت في اجتهادها،حيث إن المجلس، وفقًا للقانون الأساسي للسلطة الفلسطينية والمادة 47 مكرر منه، تبقى ولايته قائمةً إلى حين أداء أعضاء المجلس الجديد المُنتخب اليمين الدستورية.
إلا أن الأصح في الحالة الحالية هو العمل بمبدأ “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً”. وهذا يعني الاستعداد للانتخابات وكأنها ستُجرى، والاستعداد، في الوقت نفسه، لسيناريو تأجيلها أو إلغائها. وسبب التأجيل هذه المرة هو أن نحو 70% من قطاع غزة خاضع للاحتلال، حيث تواصل القوات الإسرائيلية العدوان والإبادة، ولا تسهّل متطلبات إجراء الانتخابات في القطاع، مثل إدخال صناديق الاقتراع والحبر السري، وتمكين طواقم لجنة الانتخابات والمرشحين والمراقبين الدوليين من حرية الحركة والوصول إلى القطاع. ومن الجدير بالذكر أن لجنة الانتخابات المركزية قدمت حلاً لمشكلة الانتخابات في ال، يتمثل في تمكين أهل المن الاقتراع عبر أي صندوق، بالاستناد إلى أن الانتخابات تعتمد التمثيل النسبي، حيث تعتبر الضفة الغربية بما فيها الوالقطاع دائرة انتخابية واحدة. وكان هذا أحد الحلول المقترحة، ولكن لم يُؤخذ به، حيث يرى كاتب هذه المقالة أن سبب تأجيل الانتخابات كان الخوف من الخسارة المؤكدة، وليس أي سبب آخر. والسؤال هنا هو: ألم يكن هناك احتلال للقطاع عند إصدار مرسوم الانتخابات؟
ولتفسير هذا السلوك، هناك عدة احتمالات. الأولى، أن النية كانت مبيّتة لعدم إجراء الانتخابات، وكان العذر موجودًا ومعروفًا منذ البداية، وهو احتلال القطاع واستمرار الإبادة. الثانية، وجود تقدير بأن خطّة ترامب تجاه قطاع غزة ستُطبق، وأن حركة حماس لن تشارك في الانتخابات أو لن يُسمح لها بالمشاركة، وبالتالي ستضغط الإدارة الأميركية على حكومة نتنياهو لتسهيل إجراء الانتخابات، مما سيفتح الباب لفوز قائمة حركة فتح وما يدور في فلكها من قوائم محلية وعشائرية، بالإضافة إلى قوائم تمثل رجال الأعمال ومراكز القوة، وذلك بعد تخفيض نسبة الحسم إلى 1%، فضلاً عن القوائم الفتحاوية المتمردة التي يمكن احتواء معظمها أو التفاهم معها.
لكن حسابات الحقل جاءت مخالفة لحسابات البيدر، حيث قررت “حماس” المشاركة في الانتخابات، وأعلنت أنها تفضل المشاركة من خلال تشكيل قائمة انتخابية ائتلافية واسعة تضم التيار الإصلاحي في حركة فتح (محمد دحلان) وحركة الجهاد الإسلامي وآخرين، وتبقى مفتوحة أمام قوى أخرى، رغم رفض الجبهتين الشعبية والديمقراطية، والمبادرة الوطنية، والمؤتمرات والحراكات كافة. ويستند سيناريو التأجيل أيضًا إلى فرضية أن حكومة نتنياهو – بن غفير – سموتريتش، التي ستكون في الحكم عند موعد إجراء الانتخابات التشريعية (28 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل)، سواء فازت في الانتخابات الإسرائيلية أو خسرتها، ليست معنيةً، بل ترفض تمكين الفلسطينيين من إجراء انتخابات تجدد شرعية السلطة التي تعمد حكومة الاحتلال إلى تقويضها بشكل منهجي ومثابر. كما أنها ليست معنيةً بتجسيد الهوية الوطنية الفلسطينية، بل تسعى إلى تآكلها وتذويبها، لتمهيد الطريق أمام خطتها لتصفية القضية الفلسطينية عبر الإبادة والتهجير والضم والاستيطان والفصل والتطهير العنصري. إن تجديد الشرعية الفلسطينية وإحياء المؤسسات المنتخبة بمشاركة من مختلف الألوان السياسية والاجتماعية يبقيان خيار تجسيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والاستقلال وإقامة دولة فلسطين مفتوحًا، كما يعيدان إحياء وحدة الضفة الغربية وقطاع غزة. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى تشكيل مجلس تشريعي منتخب يتحدى “مجلس السلام” على المرجعية والولاية.
ليس من المستغرب أن تكون الإدارة الأميركية لم تمنح الضوء الأخضر لإجراء الانتخابات، بدليل أنها تغطي عدم تطبيق الحكومة الإسرائيلية لخريطة الطريق لتنفيذ خطة ترامب المتفق عليها مع “مجلس السلام” وحركة حماس برعاية مصرية وقطرية وتركية، والتي توجت بلقاء في القاهرة بين جاريد كوشنر و”حماس” بحضور الوسطاء، حيث تم الإعلان بعده أنه لا مانع من أن تلعب “حماس” دورًا سياسيًا بشرط التخلي عن السلطة ونزع سلاحها، وبعد تنفيذ هذا الشرط “يمكن” السماح بإجراء الانتخابات. هذا صحيح بالنسبة لحكام واشنطن، بينما حكام تل أبيب الحاليون، على الأقل، لهم تقدير آخر، والتخلي عن الحكم ونزع السلاح سيحتاجان، في أحسن الأحوال، إلى عدة أشهر، تُحسب بعد إجراء الانتخابات الإسرائيلية، حيث ترفض حكومة نتنياهو تطبيقها قبل الانتخابات لتفادي زيادة احتمالات خسارتها.
استنادًا إلى ما تقدم، ليس من المتوقع إجراء الانتخابات. وإذا افترضنا جدلًا أنها ستُجرى، فسيعزز هذا فكرة تشكيل قائمة ائتلافية واسعة تنافس قائمة “فتح”، مما سيجعل الانتخابات حادةً وتنافسيةً، بل وحاسمةً؛ أي انتخابات “كسر عظم”، للحسم والمغالبة، وليست للمشاركة والوحدة وضمان التعددية. فإن إجراء انتخابات تحت الاحتلال، وفي ظل الانقسام، ومن دون بلورة رؤية شاملة ومشروع وطني تكون الانتخابات إحدى أدواته، قد يقود إلى مزيد من التدهور والشرذمة والانقسام، حيث ستغير النتائج خريطة القوى السياسية وأوزانها، سواء حصلت القائمة الائتلافية الواسعة على الأغلبية أم لا، ولا قائمة “فتح” ولا أي قائمة أخرى.
وقد يستدعي ذلك إما مصادرة الاحتلال لأي نتائج غير مريحة له، كما فعل سابقًا، أو إصدار مراسيم انتخابية وقرارات وإجراءات لمصادرة نتائج الانتخابات، بالاستناد إلى أن النظام رئاسي، وأن هناك قيودًا سياسية على القوائم التي ستخوض الانتخابات، ما يمكن أن يؤدي إلى عدم قبول ترشح قائمة أو الطعن فيها بعد فوزها، لأنّها لا تلتزم بالتعهد الذي يقضي بالموافقة على برنامج منظمة التحرير السياسي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة. مما يعزز احتمال التأجيل أيضًا عدم وجود جاهزية لدى حركة فتح لخوض الانتخابات. فقد نُقل عن محمود العالول (عضو اللجنة المركزية لحركة فتح الذي يقاطع اجتماعاتها حتى كتابة هذه السطور احتجاجًا على توزيع المهام بين أعضائها وغيرها من الأمور) قوله: “أعمى البصر والبصيرة من يقول إن فتح جاهزة لإجراء الانتخابات”.
يدعم التأجيل أيضًا الهوة الواسعة التي تتسع أكثر بين القيادة والسلطة من جهة، والقاعدة الشعبية من جهة أخرى، نتيجة المأزق العميق الذي يعيشه النظام السياسي الفلسطيني، بعدما وصلت مختلف الاستراتيجيات إلى طريق مسدود، وانخفض السقف السياسي إلى حد كبير. ويُلاحظ هذا في موافقة مختلف الأطراف، في السلطة والمعارضة، على خطة ترامب و”مجلس السلام”، بما يجسده الأخير من وصاية استعمارية، فضلاً عن عدم دفع رواتب كاملة منذ سنوات، وتفجّر قضايا الفساد وفضائحه، وأزمة الوقود والمعابر، ووصول الفقر والبطالة إلى مستويات عالية جداً في قطاع غزة، وإلى مستويات مرتفعة في الضفة الغربية، بالإضافة إلى تداعيات المؤتمر الثامن لحركة فتح وارتداداته.
لقد قُلنا سابقًا، ونؤكد حاليًا، أن الانتخابات، في الظروف الفلسطينية الاستثنائية التي يراد فيها تصفية القضية الفلسطينية من جذورها بكل أبعادها، ليست أولوية من الأولويات، ويجب أن تكون الأولوية لتوفير مقومات الصمود والبقاء للقضية والشعب من خلال وقف الإبادة والتهجير والاستيطان والفصل العنصري، وليست حلاً ولا مدخلاً للحل، بل من المرجح أن تكون، إن عقدت من دون مشروع وطني ودون توافق وطني، أداة لتكريس واقع السلطة كسلطة حكم ذاتي، مهمتها إدارة السكان تحت الاحتلال، وليس المساهمة في الجهد الوطني الرامي إلى إنهاء الاحتلال، ويراد تأهيلها، سواء بالانتخابات أو من دونها، لتغطية أي حلول تصفوية مقبلة. فلن يُسمح للانتخابات، في ظل موازين القوى الحالية والبيئة الإقليمية والدولية الراهنة، بأن تكون حرة ونزيهة وتُحترم نتائجها، وإذا عُقدت وكانت نتائجها غير ملائمة، فمن المرجح أن تُصادر.
لذا، السيناريو الأرجح أن تكتفي القيادة بتشكيل المجلس الوطني عبر التعيين، الذي يأخذ شكلاً صورياً مفضوحًا يُسمى “المجمعات الانتخابية”، وتأجيل الانتخابات التشريعية إلى أجل غير مسمى، أو حتى الربيع المقبل، حتى تتضح الصورة السياسية في المنطقة عمومًا وفي إسرائيل خصوصًا. فقد تتشكل حكومة إسرائيلية جديدة، أو ينجح الائتلاف الحاكم، أو لا يتمكن أحد من تشكيل الحكومة، وتبقى إسرائيل في فترة انتقالية تستمر فيها الحكومة الحالية في تسيير الأعمال، حتى إجراء انتخابات جديدة أو تشكيل حكومة وحدة يتم الاتفاق على التناوب في رئاستها. ويمكن أن تلجأ القيادة الرسمية إلى توصية من لجنة الانتخابات المركزية تفيد بأن الانتخابات لا يمكن أن تتم من دون قطاع غزة، وهذا يتطلب تقديم تسهيلات تسمح بإجرائها.
أو قد يكون التأجيل أحد نتائج حوار وطني يُعقد في القاهرة، يستند إلى مبادرة الجبهة الشعبية أو من دونها. والبحث جارٍ في هذا مع القاهرة والفرقاء الفلسطينيين، وهناك زيارة قريبة للرئيس، سيكون هذا الموضوع، على الأرجح، في جدول أعمالها. هناك عدة محاذير لتأجيل الانتخابات بتوافق وطني، منها أنه سيشكل سابقةً يمكن اللجوء إليها مرة أخرى، بحيث لا تعود الانتخابات حقًا أساسيًا للشعب يجب الوفاء به دوريًا وبانتظام، بل تصبح أمرًا سياسيًا يمكن التفاوض حوله.
كما سيجعل عدم إجراء الانتخابات السلطة أضعف في مواجهة الضغوط والشروط والإملاءات الخارجية، في وقت تجري فيه مفاوضات حول مذكرة تفاهم أميركية-فلسطينية، وتُبذل جهود أميركية لفرض مزيد من التنازلات الخطيرة على الفلسطينيين، مما ينزع ما تبقى من أوراق قوة ومكاسب لديهم، تُقدم باسم الإصلاح وتأهيل السلطة لتكون شريكًا في المرحلة المقبلة.
من هنا، أي تأجيل للانتخابات عبر حوار وطني يجب أن يتضمن تحديد موعد ملزم للانتخابات، وموعد له حد أقصى زمني ملزم، لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، ووقف إجراءات تشكيل مجلس وطني بالتعيين عبر المجمعات الانتخابية، والعودة إلى قرار الإجماع الوطني المتعلق بتشكيل المجلس الوطني بالانتخابات حيثما أمكن. فهناك العديد من التجمعات الفلسطينية في الخارج التي يمكن إجراء الانتخابات فيها، لو توفرت النية والإرادة لدى القيادة الفلسطينية الرسمية، وبالتوافق الوطني وفق معايير موضوعية واضحة حيثما يتعذر إجراء الانتخابات.
وأي حوار وطني لا بدّ من توسيع دائرة المشاركين فيه، فيشارك ممثلون عن الشتات والمرأة والشباب بما يتناسب مع أحجامهم، كما لا بدّ من تمثيل حقيقي للمجتمع المدني والقطاع الخاص والشخصيات المستقلة، والبحث في كيفية تمثيل شعبنا في الداخل.
ويجب أن يتركز جدول أعمال الحوار الوطني الشامل على كيفية مواجهة التحديات والمخاطر الوجودية وتوظيف الفرص المتاحة، من خلال الاتفاق على برنامج يجسد القواسم المشتركة، لا على المحاصصة الفصائلية، خصوصًا بشأن الحصص في المجلس الوطني المزمع تشكيله. كما لا بدّ أن يشمل إعادة صياغة المشروع الوطني، بما يتضمن العقد الاجتماعي (الميثاق الوطني)، ووضع الأهداف النهائية المستندة إلى الحقوق التاريخية والطبيعية والقانونية والسردية التاريخية، وتحديد الهدف الوطني المركزي لهذه المرحلة، ومختلف الأهداف المرحلية، وكيفية تحقيقها باستخدام أشكال النضال المتاحة وذات الجدوى في هذه المرحلة.
