
فيما يخص الوضع الراهن للحرب في اليمن، والتي لم أتصور منذ أن عرفت أنها كانت “مبشرة” على الإطلاق، هناك من يعتبرها نزاعاً داخلياً وصراعاً على النفوذ أو الموارد، وآخرون يرونها حرباً بالوكالة بين معسكرين: أحدهما يتبع الولايات المتحدة وإسرائيل والآخر يتبع إيران وأصدقائها في مقاومتها.
لفهم ما يحدث بشكل صحيح، يجب علينا العودة إلى جذور الأزمة التي تعود لعقود في تاريخ اليمن المعاصر، منذ أن حدد المستعمرون حدوداً قد فرقت شمل القبائل ونصبت عليهم حكاماً لا يراعون مصالحهم.
أعادت الأزمة بروزها عندما سعت الدول المجاورة في خضم الربيع العربي إلى إحباط ثورة اليمنيين ضد نظام علي عبد الله صالح، ومنعت حدوث نظام بديل يحقق مطالب الشعب في الحرية والكرامة، خوفاً من أن يصبح نموذجهم مثالاً يحتذي به شعوب الدول الأخرى في المنطقة.
في ذلك الوقت، توصلت أنظمة الحكم في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية إلى اتفاق مع علي عبد الله صالح لتحفيز حرب أهلية يكون محورها الشعب اليمني، هدفها إظهار أن الاستقرار والسلم الاجتماعي لا يمكن تحقيقهما في غياب الطاغية، وإقناع الشعب بأن الحرية والديمقراطية ليسا ملائمين لهم.
تم تجنيد الحوثيين وتزويدهم بالسلاح والدعم المالي، رغم وجود خلافات سابقة معهم، لمحاربة التجمع اليمني للإصلاح، الذي ينظر إليه من قبلهم كواجهة لجماعة الإخوان المسلمين، التي يخشى أن تحقق نجاحاً في أي انتخابات إذا ما انطلقت العملية الديمقراطية في البلاد. ومع ذلك، تصرف زعماء التجمع بحكمة في البداية وابتعدوا عن الصراع تجنباً لإراقة الدماء، مما أفشل الخطط السعودية والإماراتية. وقد عُرف عنهم أنهم كانوا واثقين بالنداءات التي كانت تُدبر ضدهم وضد بلادهم ورفضوها.
في النهاية، تمكن الحوثيون من السيطرة على اليمن من شماله إلى وسطه في فترة زمنية قصيرة. وأثبت الحسابات الخاطئة للإمارات والسعودية بشكل جلي. فقد أفضت خطتهم إلى مكاسب للحوثيين، فأصبحوا حكاماً، وتحولوا إلى خصوم للذين دعموا تحركاتهم في البداية، وباتوا يرتبطون بإيران ويستمدون قوتهم منها.
بعد أن نكث الذين خططوا للفتنة، بدؤوا يعدون العدة لحرب أطلقوا عليها “عاصفة الحزم”، والتي ما لبثت أن تحولت إلى وبال عليهم. تفاصيل تلك الأحداث كثيرة، وليس هذا موضع ذكرها أو مناقشتها.
إذاً، هذه هي جذور المأساة التي حلت باليمن، ولا يمكن فهم الصراع الحالي دون الرجوع إلى جذورها.
ومع ذلك، لا يزال الأمر مُعقدًا بالنسبة للكثيرين، وهذا لا يقتصر على العامة فقط.
المؤسف والمحزن أن نرى اليوم بعض من يُعتبرون علماء الإسلام، وقد تورطوا في إصدار فتاوى وأحكام حول ما يحدث دون أن يكون لديهم الإلمام بتفاصيله أو خلفياته، وكان الأحرى بهم أن يسترشدوا بقوله تعالى “فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون” وبقوله “ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى.” فالعلماء هم أهل الاختصاص والخبرة الذين ينبغي أن يُستشاروا لتفسير الأمور وشرح حقيقة الصراع الذي لا يتوقف عند اليمن فقط بل يشمل المنطقة بأسرها. ويتطلب العدل ألا تُبنى الأحكام على حب أو كره أو تحيز وإنما على المعرفة والفهم والنزاهة.
يميل العديد من علماء الدين المعاصرين إلى تفسير الصراعات من منظور عقدي بحت أو مذهبي بحت أو طائفي بحت، متجاهلين العوامل السياسية والاقتصادية والإقليمية والدولية التي تكون في الغالب هي الأكثر أهمية وتأثيرًا.
وهذا بحد ذاته خطأ، لأن الفهم السطحي للأمور قد يقود الأفراد إلى الانحياز للظالم والركون إليه دون إدراك العواقب الوخيمة لقراراتهم.
كما شهدنا سابقاً كيف أن الكثير من المسلمين، من نخبة وعامة، كانوا مقتنعين بأن حرب أفغانستان في الثمانينيات كانت جهاداً إسلامياً ضد الشيوعية، في حين أن الحقيقة التي اكتشفناها لاحقاً هي أنها كانت حربًا أمريكية ضد الاتحاد السوفيتي، حيث سقط كُثر من الشباب المسلم الذي كان متعطشاً للجهاد في سبيل الله، معتقدًا أنه يقاتل من أجل رفع راية الحق.
ما ساهم في ذلك هو أن الأنظمة العربية المؤيدة للولايات المتحدة آنذاك غررت بكثير من هؤلاء الشباب وشجعتهم على ترك مدارسهم وأعمالهم وأسرهم، بل وقدمت لهم الدعم، مما أدى إلى هجرتهم إلى باكستان، حيث أتيحت لهم الفرصة للانضمام إلى الجبهة في أفغانستان طوال الفترة التي أرادت فيها أمريكا ذلك، ثم تخلت عنهم وواجهوا مصيراً مظلماً حيث وقعوا في أتون النزاع الداخلي.
لقد رحل القوات الأمريكية، واندلع القتال بين المجاهدين، وظهرت حركة طالبان إلى الحكم، وتكونت ظاهرة “الأفغان العرب”.
لا ينسى من شهد تلك الفترة أن الأفغان العرب، أي المجاهدين الذين تركوا كل شيء ليقفوا إلى جانب إخوانهم في أفغانستان، تعرضوا للملاحقة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها في جميع أنحاء العالم، وزُج بالكثير منهم في السجون والمعتقلات، ثم خاب أملهم ولم يجد بعضهم ملاذاً سوى تنظيم القاعدة، الذي وُجد فيما بعد ذريعة للولايات المتحدة لشَن حرب عالمية على ما يسمى “الإرهاب”.
أدت الحرب على الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة إلى احتلال بلدين مسلمين وهما أفغانستان والعراق، وتعزيز الهيمنة العسكرية الأمريكية في العديد من بلدان العالم الإسلامي.
لماذا يحدث القتال اليوم في اليمن؟ ومن يقاتل من؟
يظهر ما يحدث من اقتتال في اليمن على أنه مسعى محبط من قبل الولايات المتحدة لتحييد اليمن في الحرب التي تقودها مع الكيان الصهيوني ضد إيران. إذ أن الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة يخشون من تكرار الأحداث في باب المندب، كما حدث في مضيق هرمز.
من المحزن أنه يتم استغلال بعض أبناء اليمن ضد بعضهم البعض كجزء من خطة أمريكية وإسرائيلية. وتُلبس ذلك بأنه صراع بين الشرعية واللاشرعية، وكأن الشرعية صك يُصادق عليه من أنظمة الاستبداد في العالم العربي، وكأن أبناء اليمن لا يملكون رأياً في مآلات ما يجري حولهم.
أما الذين يميلون إلى التحليل الطائفي في بلدنا وما بعده فإنهم يسارعون إلى الزج بأفكارهم في المسألة ليوهموا الناس بأنه صراع بين السنة والشيعة، أو بين العرب والفرس، مما يحقق الهدف الأمريكي وإسرائيل بوسائل منخفضة التكلفة.
نعم، إن العرب هم من تنزف دماؤهم، والعرب هم من تدمر أوطانهم، والعرب هم من تثكل أمهاتهم، والعرب هم من ترمل نساؤهم، والعرب هم من ييتم أبناؤهم، وموارد النفط تلبي احتياجات كل تلك الدماء المهدورة والخراب الذي حل بهم. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
