
منذ اليوم الأول للحرب على غزة، اتخذت السردية “الإسرائيلية” مسارًا واضحًا: هناك تهديد حقيقي في غزة يواجه “إسرائيل”، وما يتم القيام به ليس إلا محاولة للتخلص من هذا التهديد واستعادة الأمن من خلال أهداف واضحة وضعتها قيادة الحرب، والتي تتضمن القضاء على حركة حماس، واستعادة الأسرى، ونزع سلاح القطاع بالكامل. ومع مرور الوقت، أصبح من الصعب حصر ما يحدث في غزة ضمن هذا الإطار. فالدمار الواسع، والنزوح المتكرر، والتهجير المستمر حتى الآن، واستهداف البنية المدنية والإبادة التي مسّت الحجر والبشر والشجر، جعلت السؤال يتجاوز كيفية القضاء على حماس إلى سؤال أعمق: ماذا تسعى “إسرائيل” لتحقيقه في غزة؟
وفي هذه الأثناء، ظهرت رواية تتبناها وسائل إعلام ومنصات بحثية، تقول إن ما يحدث هو في الأساس “مشروع بنيامين نتنياهو” ووزراء متطرفين في حكومته، وأنهم لا يمثلون “إسرائيل” ومجتمعها بل يمثلون انحرافًا مؤقتًا عن “إسرائيل الحقيقية”. هذه الرواية تحتاج إلى دراسة دقيقة، فالإفراط في شخصنة السياسات الراديكالية غالبًا ما يكون وسيلة مريحة للهروب من مواجهة البنى التحتية والفكرية التي أنتجت هذه السياسات في الأصل. فالشرخ لا يبدأ من القول إن نتنياهو مسؤول عن قرارات حكومته، بل عندما يتحول ذلك إلى تفسير شامل للحرب، حيث تصبح القصة كلها: نتنياهو يريد ووزراؤه يريدون، وبالتالي نكون قد اختزلنا دولةً ومؤسسات وجيشًا وأحزابًا ومجتمعًا في شخص رئيس الحكومة، ليصبح نتنياهو ستارًا يحجب المشهد بكامله.
ولا يعني تفكيك هذه السردية تغييب شخصية نتنياهو، فالرجل يحمل سمات سيكولوجية معينة وأيديولوجية راسخة لعبت دورًا محوريًا في تعميق المشهد. فهو يمزج بين براغماتية المناور التي تحركها غريزة البقاء السياسي الشخصي للهروب من المساءلة، وعقيدة أيديولوجية تنتمي إلى الصهيونية التعديلية التي تعتمد على فكرة الجدار الحديدي وضرورة عدم المساومة التاريخية مع الفلسطينيين. فضلاً عن تأثره بالإرث العائلي والقومي المتطرف الذي يعتبر الصراع معركة وجودية دائمة. غير أن خطورة الاكتفاء بتحليل شخصية الرجل وأيديولوجيته تكمن في فصلها عن بيئتها ومحيطها، فنتنياهو لم يظهر من الفراغ، بل نما وتغذى في بيئة ومناخ عام تم تأسيسهما على مدى عقود. فالقرارات الاستراتيجية الكبرى لا تتخذها شخصية واحدة، بل تُصاغ داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية مثل الجيش والشاباك والموساد، التي تمتلك عقائد راسخة ومقاربات أمنية سابقة لنتنياهو وستستمر بعده. كما أن المناخ المجتمعي شهد انزياحًا نحو القومية واليمين الديني، وصعود التيار الاستيطاني كجزء من نسيج المؤسسات الإدارية والعسكرية والتعليمية.
ولعل التعبير الأوضح عن شمولية هذا التحول المؤسسي هو عدم اقتصاره على غزة وحدها؛ بل تظهر أبعاده في التوسع الاستيطاني المتسارع في الضفة الغربية، وزيادة اعتداءات المستوطنين، وتهجير التجمعات الرعوية تحت رعاية رسمية، بالإضافة إلى تفشي أنظمة الطوارئ والملاحقات السياسية العنصرية المتزايدة ضد الفلسطينيين في الداخل لمجرد التعبير عن الرأي أو التعاطف الإنساني. هذه الممارسات المتوازية تثبت أننا أمام مشروع متكامل لفرض السيطرة وإعادة تشكيل شكل الصراع في كافة المناطق.
ومع ذلك، لا يعني هذا التماسك المؤسسي واليميني أن المجتمع “الإسرائيلي” كتلة صماء بلا تناقضات، فالإجماع الموجود هو إجماع على العناوين الأمنية العامة، بينما يتآكل هذا الإجماع تحت وطأة الانقسامات الاجتماعية العميقة حول كلفة الحرب، وملف الأسرى، وشكل الدولة، وتصاعد أزمة الخدمة العسكرية للحريديم، وهي تناقضات تكشف عن أن المنظومة نفسها تحمل بذور أزمة هيكلية قد تهدد استقرارها مستقبلاً. علاوة على ذلك، فإن هذه المنظومة لا تعمل في عزلة عن العالم بل تعتمد على دعم دولي وإستراتيجي غربي تقوده الولايات المتحدة، مما يمنحها هامش المناورة والحماية السياسية والعسكرية لاستمرار هذه السياسات.
وفي المقابل، فإن هذه الآلة المؤسسية لا تتحرك في طريق مفتوح بحتمية مطلقة، بل تصطدم بواقع الميدان، وبالتالي عدم التمكن من الحسم العسكري وفكرة النصر المطلق. حيث يشكل الصمود الشعبي في غزة العائق الأساسي الذي يربك حسابات هذه المنظومة ويعوق قدرتها على تحويل الفائض العسكري إلى نتيجة سياسية حاسمة.
إن أخطر ما في اختزال الحرب في شخص واحد هو خلق فخ “إسرائيل الأخرى” الذي يتيح إنتاج صورة مريحة تعفي المنظومة من المساءلة وتخدم سردية دولية تفترض أن غياب نتنياهو سيعيد الأمور تلقائيًا إلى مسار حكم أكثر اعتدالًا. وهذا التصور يجعل الجيش مجرد منفذ للأوامر، والمؤسسات خارج دائرة المسؤولية، والمجتمع ضحية لطبقة سياسية حتمية. والمفارقة أن رواية نتنياهو وحده لم تقتصر على الدوائر الغربية أو “الإسرائيلية” بل تناولها جزء كبير من الإعلام العربي وأعاد إنتاجها باعتبارها تفسيرًا مكتملًا. في حين أن النقد الحقيقي يجب أن يتجاوز الإشارة إلى تطرف نتنياهو وحكومته، إلى الإجابة عن الأسئلة الكبرى حول عقيدة الجيش، والتحولات الديمغرافية، والأحزاب، والرؤية السياسية الشاملة، التي لا ترتبط بشخص بقدر ما ترتبط بمنظومة كاملة.
فالسياسة لا تُفهم دائمًا من خلال الأشخاص فقط، ونتنياهو ليس طارئًا على “إسرائيل”، بل هو المعبّر الأكثر ذكاءً واستمراريةً عن مرحلة تاريخية ومؤسسية كاملة نتيجة لمنظومتها السياسية والاجتماعية ومناخها الفكري. وبالتالي، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب توجيهه للأدوات السياسية والتحليلية ليس فقط: هل نتنياهو هو المشكلة؟ بل: ماذا تقول “إسرائيل” عن نفسها وعن مستقبلها من خلال نتنياهو؟ لأن أخطر ما يمكن القيام به في قراءة هذه الحرب هو اختصار دولة بكاملها ومؤسساتها في شخص واحد. فنتنياهو جزء من القصة، وربما جزء مهم منها، لكنه بالتأكيد ليس القصة كلها.
