
تواصل إسرائيل تنفيذ اعتداءاتها في قطاع غزة والضفة الغربية وال، تحت إطار مخطط استراتيجي شامل لا يقتصر على الاعتبارات الانتخابية لليمين المتطرف، رغم كونها أحد جوانبه. ما يحدث هو إبادة ممنهجة وتطهير عرقي مدروس، مع توسيع السيطرة على الأراضي، وتحوّل سكان إلى نازحين في وطنهم، مما يدفعهم نحو الهجرة واللجوء، إضافة إلى إحكام السيطرة على المسجد الأقصى المبارك، وإعادة تشكيل العلاقة مع السلطة الفلسطينية وقوى المقاومة. وأي تحليل لفعل الجرائم الإسرائيلية ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار تداخلها وترابطها، كما أن إنكار الواقع الفلسطيني اليوم يتطلب منا الاعتراف بأن المشروع الفلسطيني كلّه يواجه أزمة وجودية لم نرقَ بعد إلى مستوى الوعي بها، ولا تظهر بوادر حل في الأفق.
في هذا السياق، لا يمكن فصل اعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، وعمليات نهب منازلهم وأراضيهم وحرق القرى، والاستيلاء عليها تحت حماية من القوات الإسرائيلية، عن الجرائم التي ترتكبها هذه القوات في الضفة نفسها. تشمل هذه الجرائم، بالإضافة إلى القتل المستمر والاستهداف والاعتقالات، مصادرة الأراضي بزعم الأمان، والتوسع الاستيطاني، وهدم منازل الفلسطينيين. الوضع لا يقتصر فقط على المناطق “ج” التي تخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة، بل يمتد ليشمل أيضاً المناطق “أ” و”ب”، حيث تُمارس السلطات الإسرائيلية ضغوطاً متزايدة على الفلسطينيين.
في الوقت ذاته، تستمر إسرائيل بشراسة في قطاع غزة، متجاهلة أي اتفاقات لوقف إطلاق النار. تسيطر على حوالي 70% من مساحة القطاع، حيث لا تتوقف العمليات العدائية ضد المدنيين وعناصر المقاومة، بينما تستمر في خنق أكثر من مليوني فلسطيني من خلال التحكم في مستويات دخول المياه والغذاء والدواء والوقود. الغرض المعلن هو تهجير سكان غزة بالكامل وإحكام السيطرة عليها.
في مواجهة هذا الواقع الكارثي، تبدو السلطة الفلسطينية وكأنها في حالة غياب، في حين تنأى القوى والفصائل الأخرى بحركة المقاومة الإسلامية (حماس) تحت وطأة الضغوط الإسرائيلية خلال السنوات الثلاث الماضية. من غير العدل، من الناحية المبدئية، المساواة بين من يقاوم الاضطهاد، مهما كان اختلال ميزان القوى، وبين من يتواطأ مع الجلاد. ومع ذلك، يفرض علينا الواقع أن نقر بأن جميع الأطراف، بما في ذلك السلطة والفصائل والمقاومة، تعاني من حالات إنكار للواقع قد تصل إلى الانفصال عنه.
من المدهش رؤية هذه الأطراف تتسابق للاستعداد للانتخابات التشريعية المقررة في نهاية نوفمبر المقبل، في “كافة أراضي دولة فلسطين: الضفة الغربية بما فيها ال، وقطاع غزة” كما ورد في “المرسوم الرئاسي” الصادر في يوليو الماضي. لن أدخل في تفاصيل كيفية استحواذ رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على قرار الانتخابات واشتراطاته، وهو الذي فقد شرعيته الشعبية والدستورية منذ 2009، ولكن مرسومه يعبر عن أزمة فلسطينية عميقة.
أي انتخابات يمكن أن تجري في قطاع غزة الذي لا تتواجد فيه السلطة الفلسطينية أصلاً؟ أُعلنت “حماس” في يوليو عن حل لجنة الطوارئ الحكومية تمهيدًا لتسليم الإدارة إلى “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” (لجنة التكنوقراط) برئاسة علي شعث، وفق “خطة السلام” التي طرحها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب. المثير هو أن إسرائيل لا تزال تمنع دخول هذه اللجنة لممارسة مهامها، في ظل الأوضاع المعيشية والأمنية الصعبة هناك. كما أن الالمحتلة تعدها إسرائيل عاصمة موحدة لها، خصوصًا بعد اعتراف ترامب بذلك في 2017، والضفة الغربية تُعاني من وضع مأساوي كما تم توضيحه آنفًا.
من ناحية أخرى، تم الإعلان الشهر الماضي (أغسطس) عن مسعى مشترك بين فصائل مثل حماس والجهاد الإسلامي، والتيار الإصلاحي في حركة فتح بقيادة محمد دحلان، والملتقى الوطني الديمقراطي، وألوية الناصر صلاح الدين، لتشكيل ائتلاف انتخابي واسع. المفارقة ليست فقط في احتمال تحالف حركات مقاومة مع من كانوا يدينون “التنسيق الأمني” مع إسرائيل، بل أيضًا في دور دحلان المرتبط بإمارات تشترك في تحالف استراتيجي مع إسرائيل.
هذا بالإضافة إلى أن عباس جعل أحد شروط الترشح للانتخابات هو الاعتراف باتفاق أوسلو ومخرجاته، الأمر الذي ترفضه حماس والجهاد والناصر. وإن تحقق إجراء الانتخابات، وهو أمر مريب بسبب مخاوف حركة فتح من فقدان السيطرة في ظل الانقسامات القائسة، ومعركة خلافة عباس التي دخل فيها ابنه ياسر، هل تريد حماس والجهاد العودة لمواقع السلطة بعد كل ما جرى؟ وهل يثقون بدحلان حقاً؟
هذه بعض تعقيدات الوضع الداخلي الفلسطيني، على أن الأزمة تتجاوز ذلك. واقع الفلسطينيين في الشتات لا يقل سوءًا. ولتجنب الغوص في تفاصيل كثيرة، يكفي أن نشير إلى فشل القوى والتيارات والشخصيات الوطنية الفلسطينية في تشكيل هياكل فاعلة لتعويض غياب منظمة التحرير الفلسطينية، التي عمل عباس على تقويضها على مدى عقدين. جميع المحاولات لتطوير منظمة التحرير باءت بالفشل. هناك أسباب عدة، بعضها ذاتية، وليست فقط موضوعية خارجة عن السيطرة. ويبدو أننا نقترب من إعادة عباس تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني بآليات تعيين لمن يؤيدونه، متجاهلاً الكفاءات المتاحة في صفوف الشعب الفلسطيني.
الحقيقة المرّة أننا أمام أزمة شاملة تهدد الجميع وقضيتهم، من دون وجود تصور أو مشروع لمواجهة هذا التهديد الوجودي. الخطوة الأولى هي الاعتراف بحجم التحدي، والثانية تتطلب تحييد الأنا والتواضع في سبيل بناء إطار جامع يستند إلى الكفاءة والقدرة على الفعل، بدلاً من مجرد الرمزية والتاريخ.
