
قبل عدة أسابيع، حضرنا جلسة حوارية أكاديمية تناولت الانتخابات في إسرائيل، واستغربت من بعض الحاضرين الذين يتحدثون عن قرب “نهاية الأزمة” التي يرون أنها تتمثل فقط في حكومة نتنياهو، وذلك من خلال “الحل السحري”: غادي آيزنكوت!
وعند التحري والتفحص، تبيّن أن هناك مجموعة من الجهات المرتبطة بأنظمة رسمية عربية وإقليمية تنتظر مجيء آيزنكوت وتعتبره “المخلص” الذي سوف يعيد “أيام رابين” -كما قال لي أحد المحللين حرفياً- وكأن الأيام التي قضاها رئيس الوزراء الأسبق إسحاق رابين كانت مليئة بالرخاء والازدهار والسلام.
لا أستطيع إخفاء استغرابي من هذه النظرة السطحية للواقع الإسرائيلي ومحاولة التعلق بأي قشة، حتى لو كان الشخص مثل آيزنكوت، الذي يحمل تاريخاً وفكراً قومياً يضعه في خانة الصقور لا الحمائم في إسرائيل.
هذا لا يعني أن فوز حزب آيزنكوت وتمكنه من تشكيل حكومة -إن حدث ذلك- لن يكوّن سابقة في السياسة الإسرائيلية. فإن أصبح آيزنكوت، ذي الأصول المغربية، رئيس الحكومة الإسرائيلي القادم، فسيكون أول يهودي شرقي “مزراحي” يتولى رئاسة الحكومة في “إسرائيل” منذ تأسيسها، وهذا بحد ذاته يعد تغييراً جديداً في تاريخ “إسرائيل” التي هيمن فيها اليهود الغربيون “الأشكناز” على مؤسسات الدولة تاريخياً.
ومن المفارقات أنه لا توجد دولة غربية تناقش العنصرية الإسرائيلية تجاه اليهود الشرقيين، الذين لم يحظَ أي منهم برئاسة الأركان أو رئاسة الحكومة، حتى تمكن موشيه ليفي، الذي يعود أصله إلى العراق، من كسر هذه القاعدة بعد نحو أربعين عاماً على إنشاء الدولة، ليكون أول يهودي شرقي يتولى رئاسة أركان الجيش، بينما لم يتمكن يهودي شرقي من الوصول إلى رئاسة الحكومة منذ نحو ثمانين عاماً وحتى اليوم.
قد يكون هذا هو الأمر الوحيد المميز في آيزنكوت إذا أصبح رئيس الحكومة القادم. ولكن الواقع يشير إلى أنه لن يكون لديه أي ميزة أخرى تمكنه من إحداث تغيير جوهري في السياسة الإسرائيلية الحديثة بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، أو أن يحدث انقلاباً في هذه السياسة كما يأمل بعض الناس. ويعود ذلك إلى عدة اعتبارات:
أول هذه الاعتبارات هو أن تيار الصهيونية الدينية أحدث اختراقًا عميقًا وانقلابًا كبيرًا في المؤسسات الأمنية الإسرائيلية خلال السنوات الماضية، خصوصًا في جهازي الشرطة والاستخبارات، اللذان يعملان بشكل رئيسي داخل إسرائيل. وقد تمكن هذا التيار بالفعل من تأسيس دولة موازية مسلحة، لا سيما بين مستوطني الضفة الغربية.
وبالتالي، فإن أي حكومة تحاول تجاوز ذلك التيار أو العودة إلى ما قبل استلامه السلطة، ستضطر إلى خوض صراع عميق لتخليص أجهزتها الأمنية الرئيسية من سيطرة هذا التيار واقتلاع تأثيره من الحياة السياسية الإسرائيلية، وهذا أمر يحتاج إلى إرادة سياسية قوية، وسنوات من العمل المستمر، ودعم شعبي كبير لتنفيذه، وهو ما يصعب تحقيقه في الأوضاع الحالية دون المجازفة باحتمالية الدخول في انقسام أو حرب أهلية في “إسرائيل”.
توجه المجتمع الإسرائيلي المستمر نحو اليمين يجعل من غير المرجح لأي حكومة قادمة أن تحاول تحدي هذه المنظومة الاجتماعية اليمينية المتشددة، حيث أصبح هذا المجتمع، الذي يمجد العنف، يميل دائماً إلى دعم من يظهر المزيد من القوة والعنف تجاه ما يعتبره تهديدًا للدولة.
على سبيل المثال، المجتمع الإسرائيلي ليس ضد الحرب على قطاع غزة، والصراع المتعلق بهذه الحرب داخل “إسرائيل” لا يرتبط بفكرة الحرب ذاتها، لأن المجتمع يدعم الحرب بشكل ساحق، وإنما يختلف حول أبعاد هذه الحرب وأهدافها وطرق تنفيذها وفتراتها ونتائجها.
أما الاعتبار الثاني، فيتعلق بكون غادي آيزنكوت من اليهود الشرقيين الذين يشعرون بصفة الدونية في “إسرائيل”. وهذا قد يجعل من غير المحتمل أن يجري تغييراً كبيراً في السياسة الخارجية الإسرائيلية. بل على العكس، من المحتمل تاريخياً أن العديد من أبناء الأقليات أو الفئات التي تعاني من الدونية يميلون إلى مزيد من التشدد وإظهار الولاء للمشروع إذا وصلوا إلى الحكم، وذلك لإثبات ولائهم وكونهم جزءًا أصيلاً من المنظومة.
وبالنسبة لطبيعة شخصية آيزنكوت، التي تميزت بـ “عقيدة الضاحية” التي تم على أساسها التدمير الواسع في قطاع غزة، فهي ثالث الاعتبارات التي يجب أن نتناولها بعناية وعمق.
وعقيدة الضاحية التي وضعها آيزنكوت بعد حرب لبنان عام 2006، تقوم على استخدام قوة تدميرية هائلة وغير متناسبة ضد المناطق والبنية التحتية التي تعمل منها منظمات المقاومة، وهذا بالضبط ما نفذته “إسرائيل” في غزة بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول.
وبناءً عليه، كان لآيزنكوت تأثير كبير في هذه الحرب حتى وهو خارج رئاسة الأركان. وهذه النقطة بحد ذاتها تشير إلى أنه ليس شخصية سلام، بل هو من الشخصيات اليمينية المتشددة، خصوصًا في الجوانب الأمنية.
كما أعلن بوضوح خلال الحرب على غزة أن الحديث عن قيام دولة فلسطينية بعد السابع من أكتوبر مجرد “هذيان”، رافضاً بشكل قاطع طرح هذا الموضوع للتفاوض. ويرجع تحليل هذا الأمر إلى كونه فقد ابنه الأصغر (غال) الذي كان مسعفاً قتالياً في قوات الاحتياط في جباليا بقطاع غزة يوم 7 ديسمبر/ كانون الأول 2023 خلال عملية عسكرية لاستعادة جثث أسرى إسرائيليين، كما فقد أيضًا اثنين من أبناء أخيه أو أخواته، (ماور كوهين آيزنكوت) و(يوغاف بازي)، في الحرب على غزة.
إذا أضفنا هذا الفقد إلى خلفيته العسكرية المتشددة المرتبطة بـ “عقيدة الضاحية”، فإن ذلك يرجح كونه شخصًا مدفوعًا بعقيدة الانتقام الشخصي والسخط ضد الفلسطينيين، مما يجعل من غير المنطقي التفكير في إمكانية تغيير نظرته بسهولة.
حتى فيما يتعلق بالاستيطان في الضفة الغربية، ليس آيزنكوت معارضاً للاستيطان، بل هو مؤيد قوي للاستيطان في جميع أنحاء الضفة الغربية، ولم تكن معارضته لمشروع “إي 1” الاستيطاني في النابعة من رفض فكرة الاستيطان نفسها، بل كانت ناتجة عن اعتقاده بأن المشروع جاء في وقت غير مناسب وضرر بـ “إسرائيل”.
يعتبر آيزنكوت من الشخصيات التي تتبنى مواقفها بناءً على ما يتعلق بمصلحة الدولة أولاً وصورتها في العالم. وهو يسير على نهج بن غوريون الدبلوماسي، الذي يسوق آيزنكوت نفسه أمام جمهوره على أنه مجدد له.
لعل النقطة التي يستند إليها بعض المحللين في تفاؤلهم بمجيء آيزنكوت هي كونه لا يظهر حماسًا خاصًا تجاه الجوانب الدينية المسيحانية والخلاصية كما يفعل أقطاب تيار الصهيونية الدينية. فلم يصدر عنه لغاية الآن أي تصريح يتعلق بالمسجد الأقصى أو اقتحامات المستوطنين له، ولم يعبر عن أي موقف بهذا الاتجاه سواء مع أو ضد الاقتحامات.
قد يرى البعض هذه النقطة إيجابية، خاصة أن آيزنكوت كان رئيس الأركان خلال أحداث هبة باب الأسباط والبوابات الإلكترونية التي انتهت بإزالة البوابات تحت ضغط أمني (لا نعلم ما إن كان آيزنكوت جزءاً منه أم لا).
لكن هذا الغموض ليس إيجابيًا كما يظن البعض. فصمت آيزنكوت عن تصرفات بن غفير في المسجد الأقصى لا يعني رفضه لما يحدث، بل قد يكون ناتجًا بالدرجة الأولى عن نظرته إلى الدين ضمن مفهوم الدولة، كونه يهودياً تقليدياً قومياً، أي إنه لا يرى في الدين تعارضاً مع الدولة، بل يرى أن الدولة ينبغي أن ترعى الدين، خلافًا لتيار الصهيونية الدينية الذي يقدم الاعتبار الديني على الاعتبارات السياسية أو مصلحة الدولة نفسها.
صرحت والدة آيزنكوت، التي تعتنق الديانة اليهودية التقليدية، عام 2014 أنها كانت تأمل أن يصبح آيزنكوت حاخاماً، وادعت أنه يضع اعتبارات خاصة للدين، وأن لديه مرجعية حاخامية ثابتة يستشيرها في كل شيء.
قد يجعل هذا الأمر غموض آيزنكوت مقصودًا لأسباب تتعلق بخلفيته العسكرية الصارمة التي تفضل عدم إظهار أي أثر للاعتقادات الشخصية في القرارات المتعلقة بمصلحة الدولة.
قد تكون الحالة الوحيدة التي تجاوز بها آيزنكوت هذا الغموض كلمته التي ألقاها في منطقة حائط البراق خلال طقوس إحياء ما يُسمى “يوم ال” حيث خصص ذلك للصلاة من أجل الجيش. وهذا يعني أن آيزنكوت لن يكون بالضرورة ضد تصرفات جماعات المعبد المتطرفة في المسجد الأقصى إذا اعتقد أن ذلك لن يضر بأمن الدولة، وهذا يعتمد بشكل أساسي على ردود الفعل العربية والإسلامية حول ما يحدث في الأقصى.
باختصار، يمكن القول إن آيزنكوت يُعتبر خصماً لتيار الصهيونية الدينية المتطرفة فيما يتعلق بشكل الدولة، والقضاء، وعنف المستوطنين، ودور بن غفير وسموتريتش في الدولة.
ومع ذلك، فإنه ليس نقيضًا كاملاً لهذا التيار فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية؛ بل يلتقي معه حاليًا في رفض الدولة الفلسطينية، وفي أولوية السيطرة والأمن والقوة، ويختلف عنه في أنه يبرر ذلك بمنطق الأمن والواقعية والمصلحة الدولية، لا بوعد توراتي أو خلاص ديني. وبالتالي، هو ليس حمامة سلام، بل صقر تتدفق من جناحيه الدماء رغم أنه يحمل في منقاره غصن زيتون.
