
خاص: لم تكن ليلة المغير عادية، ورغم أن أهلها اعتادوا بدء يومهم مع الإغلاقات وانتهائه مع الاقتحامات والاعتداءات، فقد ظل مدخل القرية مغلقًا أمام الأهالي لمدة 48 ساعة، حيث لم يتمكنوا من الدخول أو الخروج إلا لساعتين فقط، مما ترك أكثر من 200 عائلة عالقة خارج القرية، واضطرت إلى قضاء الليل في القرى المجاورة بعد أن تقطعت بها السبل.
يقول رئيس مجلس قروي المغير، أمين أبو عليا، إن ما حدث هو امتداد لما أصبح يعتاد عليه سكان القرية يوميًا، سواء نتيجة اعتداءات المستوطنين أو ممارسات القوات الإسرائيلية.
وقريبًا من منتصف الليل، بدا أن الإغلاق سيتخفف قليلاً؛ حيث تم فتح الحاجز وعاد عدد من الأهالي إلى القرية، ولكن الفرح لم يستمر طويلاً. بعد نحو ساعة، أعيد إغلاق المدخل بالتزامن مع تجمعات كبيرة للقوات الإسرائيلية عند المدخل الشرقي.
ومن هناك بدأت عملية الاقتحام، حيث دخلت العشرات من الآليات العسكرية القرية، يتقدمها مئات الجنود الذين توزعوا في مجموعات داخل أحيائها. ولم يكن الاقتحام مقتصرًا على منزل واحد، بل امتد إلى عدة منازل، حيث شرعت القوات الإسرائيلية في عمليات التفتيش والاعتقال.
داخل البيوت، كانت الآثار واضحة. ووصف أبو عليا المشهد بأن المنزل الذي تدخله القوات الإسرائيلية يصير كأنه «أصابه زلزال»، نتيجة العبث بمحتوياته وتخريبها، بالإضافة إلى الاعتداء على السكان بالضرب والشتم. وخلال تلك الساعات، اعتقلت القوات الإسرائيلية نحو 45 شابًا من أبناء المغير.
لكن الاعتقالات لم تكن نهاية المشهد؛ فقد سيطرت القوات الإسرائيلية على مبنى مكون من أربع شقق، وقامت بحصر سكانه في غرفتين قبل أن تحول المبنى إلى مركز للتحقيق. كما استولت على منزل آخر يقع في الجهة المقابلة، واستخدمته مكانًا لاحتجاز المعتقلين، حيث بدأ الشبان يدخلون إلى التحقيق واحدًا تلو الآخر.
وبحسب أبو عليا، فقد رافق التحقيق تنكيل وتهديدات، وشعر الأهالي أن ما يحدث يتمحور حول رسالة موجهة للقرية بأسرها. وذكر أن التهديدات تضمنت إخبارهم بأن القوات الإسرائيلية ستعمل على «اقتلاع القرية من جذورها» وأن عليهم الرحيل قبل فوات الأوان.
ومع حلول الظهر، بدأت ساعات الاقتحام الطويلة بالانحسار. قرابة الساعة الثانية عشرة ظهرًا، بدأت القوات الإسرائيلية بالإفراج عن المعتقلين، لكن ظل اثنان منهم رهن الاعتقال من بين نحو 45 شابًا تم احتجازهم خلال العملية.
بالنسبة لأهالي المغير، لا ينتهي المشهد بخروج القوات الإسرائيلية من الشوارع. فالقرية، التي أمضى سكانها ليلتين خلف حاجز مغلق، ثم وجدوا جنودًا في منازلهم، تعيش تحت ضغط متواصل يجعل الوصول إلى أراضيهم والحركة خارج القرية جزءًا من معركة يومية.
كما أن قصة المغير لا تقتصر على الأحداث التي حصلت خلال تلك الساعات؛ حيث تمتد أراضي القرية، التي تبدو محدودة بعمارتها، على مساحة واسعة. ووفق معطيات محلية، تبلغ مساحة أراضي المغير نحو 43 ألف دونم، في حين لم يعد متاحًا لأهلها سوى نحو 900 إلى 950 دونم، وسط توسع المستوطنات في محيطها والسيطرة على مساحات شاسعة من أراضيها.
خلال السنوات الأخيرة، شهد محيط المغير تصاعدًا في إنشاء المستوطنات، لا سيما الرعوية، بالتزامن مع إغلاق مساحات من الأراضي ومنع أصحابها من الوصول إليها، ما ضيق تدريجيًا النطاق الذي يتحرك فيه السكان ويزرعونه ويرعون مواشيهم.
وبهذا، تبدو المغير محاصرة بأكثر من شكل؛ حيث يغلق الحاجز الطريق أمام الأهالي، وتصل الاقتحامات إلى غرف منازلهم، وتتناقص الأراضي المتاحة لهم مع تمدد المستوطنات حولها. ينتهي الاقتحام بخروج الجنود وبقاء شابين قيد الاعتقال، لكن بالنسبة لسكان القرية، تبقى الحكاية أطول من ليلة واحدة؛ فهي يوميات قرية تسعى للبقاء في مكانها، بينما يتقلص حولها المكان شيئًا فشيئًا.
