في آخر الزمان، تتحول بعض نواميس الكون، فتخرج الشمس من مغربها، وقبل ذلك تؤدي الفوضى إلى اختلال موازين الناس؛ حيث يتم تأمين الخائن، ويُخون الأمين، ويتحدث الرُّوَيبضة – وهو الرجل التافه الذي يتدخل في شؤون العامة – كما أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روى الإمام أحمد وابن ماجة عن أبي هُريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (سَيأتِي على النَّاسِ سَنواتٌ خَدَّاعاتٌ؛ يُصدَّقُ فيها الكاذِبُ، ويُكذَّبُ فيها الصادِقُ، ويُؤتَمَنُ فيها الخائِنُ، ويخَوَّنُ فيها الأمينُ، وينطِقُ فيها الرُّويْبِضَةُ. قِيلَ: وما الرُّويْبِضةُ؟ قال: الرجُلُ التّافِهُ يتَكلَّمُ في أمرِ العامةِ).
وفي حديث حذيفة حول رفع الأمانة قال: “… حتى يُقالَ لِلرَّجُل: ما أجْلَدَهُ؟ ما أظْرَفَهُ؟ ما أعْقَلَهُ؟ وما في قلْبِهِ حبَّةُ خرْدَلٍ من إِيمانٍ”.
قد يعجب الإنسان من هذا الاختلال اللافت، ويتساءل: لماذا يحدث هذا؟ لماذا يصدق الناس الإنسان الكاذب، ويكذّبون الصادق، ويأتمنون الخائن، ويخونون الأمين.. بل لماذا يُقدم “الرُّويْبضة”، وهو الشخص القاعد الذي لا يسعى إلى العلو، على المخلصين، فيستمع له الناس ويطيعونه في شؤون الدين والدنيا؟
اختلال الموازين
إن هذا الاختلال في الموازين يعود إلى فساد التصور، واعتلال الفهم، والتشويش في معرفة أصول الإيمان وأساسيات الدين، والجهل بما يرفع مكانة الشخص عند الله.. وبالتالي اختلفت موازين الناس عن ميزان الله.
فالميزان الذي يرفع عند الله هو التقوى، وهي “الإيمان والعمل الصالح” (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)[الحجرات:13].
وكما قال صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع (يا أيُّها الناسُ إنَّ ربَّكمْ واحِدٌ، ألا لا فضلَ لِعربِيٍّ على عجَمِيٍّ ولا لِعجَمِيٍّ على عربيٍّ ولا لأحمرَ على أسْودَ ولا لأسودَ على أحمرَ إلَّا بالتَّقوَى إنَّ أكرَمكمْ عند اللهِ أتْقاكُمْ)[الحلية، وشعب الإيمان، وهو صحيح].
فميزان الله لا ينظر إلى لون الإنسان أو جنسه أو نسبه. وقيمة الإنسان عند الله لا تعتمد على المال أو الجاه أو المنصب أو السلطة أو المكانة الاجتماعية. هذا الميزان الإلهي لا يتزلق.
وأما موازين الناس فهي مقلوبة؛ حيث يُعتبر المظهر هو الميزان، بينما يتم تجاهل الإيمان والتقوى تمامًا. فمقدار الشخص عندهم يُقاس بمدى ثروته، ونوع سيارته، ولون ثوبه، وثمن حذائه.
قيمة المرء عندهم بين ثوب .. .. باهر لونه والحذاء
موازين مختلة، وأحكام غير عادلة، قلبت الحقائق، وأعطت مكانة لمن لا قيمة له، مع إقصاء الكرام من العلماء والحكماء وأهل النُبل المخلصين، وحاملي هم الأمة والدين.
النبي يصحح المفاهيم
وكلّما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل على توضيح مفهوم القيم لأصحابه – ولنا من بعدهم – ليصوبوا نظرتهم ويعيدوا ترتيب موازينهم، لأن اختلالها يؤثر على نظام الحياة ويؤدي إلى فساد المجتمع.
روى البخاري وآخرون عن سهل بن سعد قال: (مرَّ رجلٌ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حريٌّ إن خَطَبَ أن يُنْكَحَ، وإن شَفَعَ أن يُشَفَّعَ، وإن قال أن يُسْمَعَ. ثم سكتَ، فمرَّ رجلٌ من فقراءِ المسلمين، فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حريٌّ إن خطبَ أن لا يُنْكَحَ، وإن شَفَعَ أن لا يُشَفَّعَ، وإن قال أن لا يُسْمَعَ. فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا خيرٌ من ملءِ الأرضِ مثلَ هذا).
هذا الحديث، يوضح بوضوح ما يُفهم أيضًا من حديث مسلم عن أبي هريرة في قصة الثلاثة الذين تكلموا في المهد، حيث قال: (وبينا صبي يرضعُ من أمِّه، فمرَّ رجلٌ راكبٌ على دابةٍ فارهةٍ وشارةٍ حسنةٍ، فقالت أمُّه! اللهمَّ! اجعلْ ابني مثلَ هذا. فترك الثدي وأقبل إليه فنظر إليه، فقال: اللهمَّ! لا تجعلني مثلَه، ثم أقبل على ثديه وجعل يرتضعُ. قال: فكأني أنظرُ إلى رسولِ الله صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهو يحكي ارتضاعَه بإصبعِه السبابةِ في فمِه، فجعل يمصُّها. ومروا بجاريةٍ وهم يضربونها ويقولون: زنيتِ، سرقتِ. وهي تقولُ: حسبي اللهُ ونعم الوكيلُ. فقالت أمُّه: اللهم لا تجعلْ ابني مثلَها.. فترك الرضاعَ ونظر إليها فقال: اللهمَّ اجعلني مثلَها.. فهناك تراجعا الحديثَ. فقالت: حلقى! مر رجلٌ حسنُ الهيئةِ فقلتُ: اللهم اجعل ابني مثلَه. فقلتَ: اللهم لا تجعلني مثلَه. ومروا بهذه الأمَةِ وهم يضربونها ويقولون: زنيتِ، سرقتِ.. فقلتُ: اللهمَّ لا تجعلْ ابني مثلَها. فقلتَ: اللهمَّ اجعلني مثلَها؟!! قال: إن ذاك الرجلَ كان جبارًا؛ فقلت: اللهمَّ لا تجعلني مثلَه، وإن هذه يقولون لها: زنيتِ، ولم تزنِ. وسرقتِ، ولم تسرقْ. فقلت: اللهمَّ اجعلني مثلَها).
لقد أراد صلى الله عليه وسلم أن يُبرز أن الحقيقة لا تكمن في جمال الصورة أو القوام الحسن، ولا في ثراء المال وزينة الثوب، بل بالنية الصادقة والإيمان الذي ينعكس في العمل.
من عباد الله من لا تشرئب له الأعناق، ولا يثير الانتباه، لكنه يجري الله الخير الكثير على يديه: (رُبَّ أشعثَ أغبر ذي طمرين، مدفوعٍ بالأبوابِ، لو أقسمَ على اللَّهِ لأبرَّه)[الترمذي].
فبينما منهم السمين الذي لا يزن عند الله جناح بعوضة، وإن أعجب الناس في الدنيا جمال منظره وجاذبية هيكله.
إن اللباس الحسن والتطيب هما من الأمور المقبولة، ولكنها ليست الأساس، ولا يمكن اعتبارها المقياس في تقييم الأفراد.. فلا تفرحنَّ بحسن المظهر وجمال الهيئة.. فكم من مؤدٍ لذلك يحمل بين طياته ضحالة فكر وفراغ قلب..
رُبَّ ذي مَظهرٍ توارَى .. .. خلفَ أثوابِه فؤادٌ خَؤونٌ
لقد توفي ابن سلول، وقد كان يعد من سادات قومه، فنهاه الله عن الصلاة عليه أو على أمثاله.. فقال: (وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ)[التوبة:84].
وماتت المرأة السوداء التي كانت تقوم المسجد، واستصغر الناس شأنها فدفنوها ليلاً دون إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما افتقدها، سأل عنها، فقالوا: ماتت. فقال: (أفلا كنتم آذنتموني؟ قال: دلوني على قبرها), فذهب صلى الله عليه وسلم وصلى عليها.
الاكتفاء بالظاهر حيف ونكسة
إن الاكتفاء بالمظاهر والموازين دون النظر إلى الإيمان والتقوى ظلم عظيم.
ماذا لو خرج العالم حافياً بين الناس لفقره؟ هل ينقص من علمه وقدره شيء؟
وماذا لو وضع الجاهل أحسن أنواع الأحذية؟ هل يصبح عالمًا أو مُفتيًا؟
وماذا لو ارتدى الأهبل أجمل الثياب وأفضلها؟ هل يصبح ذي عقل قوي؟
إن كان لبسُ الفتى شَرفًا له .. .. فما السيفُ إلا غمدُه والحمائلُ
والآخرة كذلك
وإذا كان هذا هو الميزان في الحياة الدنيا، فإنه سيكون أيضًا الميزان عند الله يوم القيامة، (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) حيث تُبعثر ما في القبور، ويُحصل ما في الصدور، ولا ينجو إلا صاحب القلب السليم: (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)[الشعراء:88-89]..
إن العبرة في الدنيا والآخرة تتواجد في صلاح القلوب والأفعال، لا بالأشكال والأموال، ولا بالمظاهر والأزياء، (إِنَّ اللهَ تعالى لَا ينظرُ إلى صُوَرِكُمْ وَأمْوالِكُمْ، ولكنْ ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم)[رواه مسلم].
ويبقى القانون العام في قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)[الحجرات:13].
