هَدّأت إسرائيل مساء اليوم (الخميس) من الخبر المتداول حول قرب توصل حماس والوسطاء إلى اتفاق يسمح بالانتقال إلى المرحلة التالية في قطاع غزة. وأوضح مسؤول سياسي أن الاتفاق الذي نوقش في القاهرة ليس اتفاقًا مع إسرائيل، بل هو اتفاق بين حماس والوسطاء – وأن أورشليم (القدس) لا تقبل المخطط بصيغته الحالية.
وفقًا للمسؤول، تطالب إسرائيل بتفكيك كامل لسلاح حماس، بما في ذلك إخراج جميع الوسائل القتالية من غزة والتجريد الكامل للقطاع من السلاح، كشرط مسبق لأي تقدم في العملية. وأضاف أن وثيقة الـ 15 نقطة التي تجري حولها المناقشات لا تتضمن استجابة كافية للمطالب الإسرائيلية، وأن إسرائيل نقلت تحفظاتها بشأن هذا الموضوع إلى المبعوث طوني بلير.
وأكد المسؤول السياسي أنه لن يكون هناك انسحاب إسرائيلي من “الخط الأصفر” في القطاع قبل إتمام تفكيك سلاح حماس وتجريد القطاع من السلاح. وبحسب قوله، فإن موضوع غزة لم يُطرح مطلقًا خلال اللقاء الذي عقد بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن هذا الأسبوع.
وبحسب خارطة الطريق التي نوقشت في القاهرة، فإنه من المفترض أن تسلّم حماس جميع الأسلحة التي بحوزتها – الخفيفة والثقيلة – بالإضافة إلى التخلي عن الأنفاق ومستودعات الأسلحة ومرافق الإنتاج التابعة لها. ومن المقرر أن يبدأ تسليم السلاح في غضون أسابيع قليلة، حيث سيتم نقله إلى قوات دولية، وتخزينه في المنشآت المخصصة لذلك وإيقاف تشغيله. ومن المفترض أن تُحفظ المستودعات بواسطة قوة متعددة الجنسيات، وفي نهاية المطاف، ستكون اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية التي ستدير القطاع هي الجهة الوحيدة التي تمتلك السلطة على السلاح.
موقف واشنطن
وقال مصدر دبلوماسي أمريكي إن المناقشات مع الوسطاء في القاهرة “مستمرة وتتقدم”، وأن خارطة الطريق تنص على تفكيك جميع الأسلحة، “الثقيلة والخفيفة، دون أي استثناءات”، إلى جانب إبادة الأنفاق والمستودعات ومرافق الإنتاج.
وبحسب قوله: “في نهاية المطاف، لن يكون لحماس أي دور في حكم غزة، سواء أكان ذلك في العلن أم خلف الكواليس، وستمتلك لجنة إدارة غزة السلطة الكاملة تحت مبدأ سلطة واحدة، قانون واحد، وسلاح واحد”. وأضاف أن العملية ستعتمد على التحقق المستقل والتبادلية وليس على الثقة: كل خطوة يقوم بها طرف ستمكّن الخطوة التالية للطرف الآخر.
وأفاد مصدر مطلع على التفاصيل بأنه في المرحلة الأولى سينقل السلاح من حماس إلى القوات الدولية. وبحسب قوله، لن تدخل القطاع أي قوة من دولة لا تحظى بموافقة إسرائيل، والدول التي ستشارك في هذا الميكانيزم (الآلية) ستكون صديقة لإسرائيل. وقال: “حتى موضوع التخزين والإشراف يتضمن تفاصيل واضحة جدًا، نحن لا نأخذ المخاطر ولا نعتمد على الوعود، بل على الأفعال على الأرض فقط”.

الفجوة المركزية: التخزين أم الإخراج؟
ولكن في هذه النقطة تكمن الفجوة الرئيسية بين إسرائيل والأمريكيين والوسطاء. فبينما يسمح المخطط بتخزين السلاح داخل قطاع غزة وتعطيله تحت حراسة دولية، تطالب إسرائيل بـ إخراجه تمامًا من أراضي القطاع. وتخشى القدس من أن إبقاء الوسائل القتالية في غزة، حتى لو تم تخزينها في مستودعات خاضعة للرقابة، سيمكّن حماس من الاستيلاء عليها مجددًا في المستقبل.
ويعتمد نموذج تخزين السلاح وتعطيله، من بين أمور أخرى، على الآلية التي استخدمت في إطار تسويات السلام في أيرلندا الشمالية. ومع ذلك، تعتقد إسرائيل أنه لا يمكن تطبيق هذا النموذج على حماس بسبب الخطر المتمثل في أن يستعيد التنظيم قوته ويعود إلى النشاط العسكري.
ووفقًا للمخطط، لن يُطلب من إسرائيل الانسحاب من “الخط الأصفر” الأصلي، الذي يشمل نحو 50% من مساحة القطاع، قبل إتمام تجريد السلاح. وسيجري تنفيذ أي انسحابات إضافية فقط بناءً على تقدم مثبت في تفكيك السلاح. وفي الوقت نفسه، من المفترض أن توقف إسرائيل سياسة الاغتيالات، ولكن سيكون بمقدورها العمل ضد التهديدات المستجدة. ومن جانبها، ستلتزم حماس بإيقاف جميع الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تجنيد الناشطين وتعاظم القوة.
مواجهة علنية مع واشنطن
يضع التصريح الإسرائيلي أورشليم في مواجهة علنية مع الأمريكيين، الذين يعرضون خارطة الطريق على أنها تفكيك كامل ومطلق لسلاح حماس. وفي إسرائيل، على العكس من ذلك، يوضحون أن تخزين السلاح داخل القطاع لا يعادل التجريد من السلاح، وأنه ليس لديهم أي نية للانسحاب بناءً على وعود أو آلية تسمح ببقاء السلاح في غزة. وبذلك، يرفض الموقف الإسرائيلي المخطط بصيغته الحالية: طالما لم يتم إخراج السلاح من القطاع وتفكيك حماس بالكامل من قدراتها العسكرية، فلن تنفذ إسرائيل انسحابات إضافية من الخط الأصفر.
في المقابل، أعرب مصدر في “مجلس السلام” التابع لترامب عن مفاجأته من الرد الإسرائيلي، وقدّر أنه ينبع بشكل أساسي من لاعتبارات سياسية داخلية ومن الانتقادات الموجهة للحكومة من جهة اليمين. وادعى المصدر: “لا يوجد صراع. عندما يرون الصورة الكاملة والمفصلة، سيعانقون هذا الاتفاق التاريخي، الذي يقر عمليًا باستسلام حماس وتفكيك سلاحها بالكامل. الاتفاق يعود بنسبة 100% لتفكيك السلاح، وفقط بعد ذلك يحدث الانسحاب من الخط الأصفر الأصلي الذي تحدد في اتفاق الـ 20 نقطة”.
المرحلة الثانية عالقة
في ظل هذا الخلاف، يقف الانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية لغزة، والتي وضعت في الأساس عدة أهداف يعتمد بعضها على بعض:
-
نقل الحكم المدني إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.
-
تفكيك سلاح حماس.
-
الانسحاب التدريجي لقوات جيش الدفاع الإسرائيلي.
-
نشر قوة أمنية دولية وابتدائه في إعادة إعمار القطاع.
وتهدف المحادثات في القاهرة إلى صياغة تسلسل الإجراءات وآلية التحقق التي ستسمح بالتقدم بين المراحل.
في يناير، أعلنت الولايات المتحدة بدء المرحلة الثانية وتشكيل “اللجنة الوطنية لإدارة غزة”، وهي هيئة مكونة من 15 عضوًا برئاسة علي شعث، الذي شغل سابقًا منصب نائب وزير في السلطة الفلسطينية. ومن المفترض أن تحل اللجنة محل حكم حماس وتدير الخدمات المدنية في القطاع، لكنها لا تزال تعمل من القاهرة ولم يتم تحديد موعد لدخولها إلى غزة.
وفي بداية الشهر، أعلنت حماس أنها حلّت هيئة الطوارئ التي كانت بمثابة حكومتها الفعلية، وأنها مستعدة لنقل الإدارة المدنية إلى اللجنة التكنوقراطية. ومع ذلك، أوضحت الحركة أن موظفي الوزارات والأجهزة الحالية سيبقون في مناصبهم، وواصلت تحمّل المسؤولية عن الأمن والشرطة في المناطق الخاضعة لسيطرتها. ورفضت إسرائيل هذه الخطوة وحذرت من أنه طالما تحتفظ حماس بسلاحها، فإن أي حكومة مدنية ظاهريًا قد تعمل تحت إمرتها أيضًا.
وظلت قضية الانسحاب على مدار الأشهر الماضية إحدى العقبات الرئيسية. فقد طالبت حماس بضمانات لانسحاب إسرائيلي كامل قبل أن توافق على مناقشة التفكيك من السلاح، بينما أصرت إسرائيل على إتمام التجريد أولاً. وكان “الخط الأصفر”، الذي انسحبت إليه القوات في إطار وقف إطلاق النار، مخصصًا في الأصل ليكون خطًا مؤقتًا في الطريق نحو انسحابات إضافية. أما في الواقع، فتواصل إسرائيل الاحتفاظ بأكثر من نصف مساحة القطاع، وأقامت عائقًا ماديًا ومجالاً أمنيًا على طول أجزاء من هذا الخط.
