
إن الأوضاع المتوترة في الضفة الغربية خلال هذه الفترة، بما في ذلك تزايد اعتداءات المستوطنين على المدنيين الفلسطينيين، ومصادرة أراضيهم وتخريب منازلهم وإحراق محاصيلهم، بالإضافة إلى العمليات العسكرية المدمرة من قبل الجيش، ليست سلوكيات فردية بل هي تعبير عن تكامل منهجي بين الحكومة الإسرائيلية والمستوطنين.
تتم هذه العمليات بتنسيق غير معلن رسمياً، مما يسمح للحكومة بالتخلص من المسؤولية القانونية، بينما تعمل على تعزيز المشروع الصهيوني.
ليست تلك مجرد مبادرات فردية لأشخاص متطرفين، بل هي نتيجة لمنظومة متكاملة للدولة حيث يتداخل العمل الرسمي مع العمل غير الرسمي بفعالية، ساعياً لتحقيق ضم فعلي للأرض، في انتظار الوقت المناسب لتحويل ذلك إلى ضم رسمي.
منذ اليوم الأول لتشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية في نهاية عام 2022، أصبحت الضفة الغربية “ورشة عمل” تستغل فيها جميع الإمكانيات الإسرائيلية لحسم مصيرها، وفرض الرؤية المتطرفة للصهيونية، ومحاولة القضاء على أي “حلم” للفلسطينيين أو العرب أو المجتمع الدولي في حل الدولتين.
سموتريتش الذي عرض رؤيته لحل الصراع مع الفلسطينيين تحت عنوان “خطة الحسم” في عام 2017، تبناها حزب الصهيونية الدينية الذي يترأسه بعد انتخابات الكنيست عام 2022، وقد وجد الفرصة التاريخية لتطبيق هذه الرؤية عبر التحالف مع حزب الليكود بزعامة نتنياهو.
عند توليه وزارة المالية، حصل أيضاً على منصب وزير في وزارة الجيش ليقوم بإدارة الضفة الغربية والإشراف على قضايا الاستيطان، حيث يعتبر ذلك جزءًا من الملف العسكري.
أما شريكه في الصهيونية الدينية، بن غفير، فقد تولى وزارة الأمن القومي التي تشرف على الشرطة الإسرائيلية وحرس الحدود والسجون، بما في ذلك الضفة الغربية وشرقي ال، ليعمل بالتكامل مع سموتريتش على تحقيق قفزات هائلة في فرض السيادة الإسرائيلية على الأرض والمات.
ولم يكن لدى نتنياهو والليكود أي مشكلة في منح سموتريتش وبن غفير الحرية الكاملة في سلوكهما، إذ يحملان التطلعات ذاتها رغم اختلاف الأساليب.
تتمحور محاور خطة الحسم حول “أرض إسرائيل الكاملة”، وتحقيق ضم استيطاني ينشئ واقعًا يهوديًا مهيمنًا بين النهر والبحر، مما ينهي “وهم الدولة الفلسطينية”، ويعتمد على العنف والقوة المفرطة كوسيلة للتعامل مع الفلسطينيين، مع إنكار وجود الشعب الفلسطيني ورفض وجود أي كيان فلسطيني.
الإستراتيجية الإسرائيلية في الضفة
ملخص استراتيجية الحكومة الإسرائيلية لـ”حسم الصراع” في الضفة الغربية يتضمن سبع نقاط:
أولا: التوسع الاستيطاني الفعال، وتغيير الجغرافية السكانية للضفة الغربية:
يمكن ملاحظة الفارق الكبير في سرعة تطور الاستيطان عند الاطلاع على أن الحكومات الإسرائيلية مجتمعة منذ اتفاقات أوسلو عام 1993، وعلى مدى ثلاثة عقود حتى نهاية عام 2022، أقرت 6 مستوطنات جديدة فقط، بينما أقرت الحكومة الحالية 104 مستوطنات جديدة خلال ثلاث سنوات ونصف (من بداية عام 2023 حتى يوليو/تموز 2026)، ومن بينها 51 مستوطنة جديدة بالكامل و35 بؤرة استيطانية غير مرخصة تم تحويلها إلى مستوطنات مستقلة، و17 حياً تابعا لمستوطنات قائمة أصبح مستقلاً، بالإضافة إلى قرار إضافي بمستوطنة جديدة في نفس الفترة.
أما البؤر الاستيطانية الجديدة فقد وصلت إلى 212 بؤرة منذ بداية الحكومة الحالية وحتى نهاية أبريل/نيسان 2026، لتضاف إلى 151 بؤرة كانت موجودة سابقًا (لتصبح الحصيلة 363 بؤرة استيطانية)، بمعدل سنوي يصل إلى حوالي 64 بؤرة، بينما كان معدل السنوات ما بين 1996 و2022 أقل من 7 بؤر سنويًا.
كان الأخطر في التوسع الاستيطاني هو إنشاء بؤر زراعية رعوية استخدمت كوسيلة للاحتلال والسيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي بحماية الجيش، مع عدد قليل من المستوطنين.
تسيطر هذه البؤر والمستوطنات الرعوية على نحو مليون و100 ألف دونم (1100 كيلومتر مربع، أي تقريبا 18% من مساحة الضفة)، حيث تم السيطرة على 750 ألف دونم منذ وصول هذه الحكومة.
تسيطر إسرائيل على 85% من مصادر المياه في الضفة الغربية، وتعمل مئات الحواجز الإسرائيلية على تقسيم الضفة، بينما الجدار الذي شيد يعزل نحو 12% من المساحة ويُحيط بالكامل بشرقي ال، مما يجعل التواصل مع الضفة قريبًا من الخطوط الدولية.
تتجنب المقامات الكثيرة في هذا المقال الدخول في التفاصيل الدقيقة، لكن نستطيع الإشارة إلى أن هذه القفزات الهائلة ترافقت مع بناء عشرات الآلاف من الوحدات السكنية، وتجهيز البنى التحتية من شوارع وكهرباء وماء وخدمات، بالإضافة إلى أنظمة حماية وشروط مغرية للإقامة؛ بلغ عدد المستوطنين أكثر من 900 ألف.
ترافق هذا مع سياسة منهجية لتضييق الخناق على السكان الفلسطينيين من خلال مصادرة أراضيهم، وتدمير منازلهم وحرق محاصيلهم والمساجد، بالإضافة إلى تضييق حركة المواطنين، مما أدى لإنشاء بيئات طاردة تمهيدا لتهجيرهم.
ثانيا: المضي في ترتيبات الضم العملي والمؤسسي
سعى سموتريتش منذ دخوله الحكومة إلى تحويل ملف الاستيطان في الضفة من إدارة المؤسسة العسكرية إلى منظومة مدنية سياسية تحت إشرافه.
في يونيو/حزيران 2024 أعلن عن خطوات لنقل إدارة شؤون المستوطنات إلى مسؤولين مدنيين تحت سلطته، كما أصبحت الشرطة تأخذ دورًا تدريجيًا في التعامل مع الوضع الأمني في الضفة بدلاً من الجيش.
طور بن غفير فرق الاستجابة السريعة (وهي مجموعات مسلحة)، ليبلغ عدد أفرادها 13 ألفاً و400 شخص، مصاحباً ذلك دمج أجزاء متزايدة من الضفة في النظام السياسي والإداري والاقتصادي الإسرائيلي.
في فبراير/شباط 2026، قررت الحكومة تسهيل إجراءات شراء أراضي الضفة بواسطة الإسرائيليين، من خلال تعزيز إجراءات فتح سجلات الأراضي وتفعيل آليات الشراء المنظم لصالح المستوطنات.
كما أصدر الكنيست قراراً غير ملزم في 23 يوليو/تموز 2025 يدعو إلى ضم الضفة بتأييد 71 صوتًا مقابل 13، كما صوت في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2025 على مشروع قرار لضم الضفة وفرض السيادة عليها.
غير أن نتنياهو لم يكن مستعجلاً لتحقيق الضم الرسمي، نظرًا لتداعياته الواسعة على مسار التسوية الذي يرغب في الحفاظ على أبوابه مفتوحة، وعلى مسار التطبيع والمواقف العالمية؛ لكنه بدأ بتحريك هذا الملف لاستيعاب أنصار الصهيونية الدينية واليمين المتطرف ولتوفير بيئات مناسبة للنقاش حوله.
ثالثا: عنف المستوطنين
تحت الحكومة الإسرائيلية الحالية تزايد عنف المستوطنين بطريقة غير مسبوقة تجاه المدنيين الفلسطينيين، حيث شمل ذلك عمليات قتل وطعن وضرب، بالإضافة إلى الاعتداء على الأطفال، وحرق الممتلكات والمركبات والأراضي الزراعية والمساجد، وتخريب الآبار واقتلاع الأشجار والاستيلاء على المراعي.
قام بن غفير بإصدار العديد من تصاريح حمل السلاح للمستوطنين، وعدد كبير منهم جنود احتياط.
غالبًا ما تكون القوات الإسرائيلية موجودة، لكنها لا تتدخل إلا لضبط الوضع المقبول من الهجمات، أو لحماية المستوطنين في حال تصدي الفلسطينيين للدفاع عن أنفسهم، كما تتخذ إجراءات عقابية وانتقامية ضد الفلسطينيين، كما حدث في حوارة وتل وقصرة وغيرها من الحوادث.
في ظل هذه الأجواء العنيفة، أنشئت أعداد كبيرة من البؤر الاستيطانية، وتوسعت المستوطنات الرعوية بشكل كبير.
ذكرت تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن المستوطنين نفذوا 1828 هجومًا عام 2025 استهدف 280 تجمعًا فلسطينيًا، مقارنة بـ 1420 هجومًا عام 2024 و1189 هجومًا في عام 2023.
وفي مايو/أيار 2026 ذكرت أوتشا أن معدل الهجمات ارتفع إلى 6 هجمات يوميًا. ومنذ يناير/كانون الثاني 2023 حتى يوليو/تموز 2026، تعرض 121 مجتمعًا فلسطينيًا في الضفة للنزوح الكلي أو الجزئي بسبب الهجمات.
بعد استيلاء المستوطنين على الأراضي، تأتي مسؤوليات سلطات الاحتلال لتوفير الحماية للبؤر الاستيطانية، وإنشاء الطرق والبنى التحتية، ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم، بالضغط عليهم اقتصاديًا ومعيشيًا لخلق ظروف تهجير، ثم المضي في “شرعنة” هذه البؤر ومنحها طابعًا رسميًا.
رابعا: الأقصى وال
تتعرض المناطق الشرقية من ال، التي هي جزء من الضفة الغربية، لاستهداف صهيوني واضح، حيث يُعتبر تحقيق السيطرة على الأقصى والجزءًا مركزيًا من الاستراتيجية، مع تزايد ملحوظ في هذا الجانب.
تفرض إسرائيل قيودًا شديدة على وصول المصلين إلى الأقصى، حيث يصل الوضع إلى إغلاق المسجد ومنع الصلاة فيه لشهور عديدة.
ازدادت عمليات اقتحام المستوطنين للمسجد الأقصى بشكل كبير، حيث تجاوز عددهم 73 ألفًا عام 2025، وتم السماح لهم بأداء طقوس تلمودية وصلاة جماعية، مع تمديد أوقات الاقتحام وإدخال كتب الصلاة.
تم تكثيف الاستيطان داخل الأحياء الفلسطينية مثل سلوان والشيخ جراح والبلدة القديمة، حيث تسارعت سياسة هدم المنازل وإقامة مشاريع تهويدية “سياحية وأثرية”، وزادت الحكومة الإسرائيلية من خطط بناء 33 ألف و519 وحدة سكنية في شرقي الخلال 2023-2025، مع تضييق الخناق على أكثر من 400 ألف فلسطيني يسكنون شرقي ال.
في أغسطس 2025، أقرت خطط لبناء 3401 وحدة سكنية في منطقة “إي 1″، وهو مشروع يهدف لعزل الوفصل شمال الضفة عن جنوبها.
خامسا: إضعاف السلطة الفلسطينية وتفكيكها
على الرغم من الدور الذي تلعبه السلطة منذ أكثر من 30 عامًا في إدارة الحياة اليومية والتنسيق الأمني، ترى الصهيونية الدينية واليمين القومي أنهما قد تجاوزا فكرة أوسلو.
أشار سموتريتش في سبتمبر 2025 إلى ضرورة تفكيك السلطة من خلال ضم 82% من الضفة وترك ستة مراكز فلسطينية (كانتونات) تحت إدارات محلية.
ترفض الحكومة الإسرائيلية أي دور مباشر للسلطة في قطاع غزة، وتمارس ضغوطاً اقتصادية كبيرة عليها، حيث تحتجز نحو 6 مليارات دولار تعود للإيرادات المنقولة للسلطة حتى أغسطس 2026.
تشير التقارير إلى وجود نحو 5 مليارات أخرى من الأموال الفلسطينية المجمدة بسبب إجراءات الاحتلال، مما يدفع السلطة نحو الإفلاس.
ذكر سموتريتش في مارس 2026 أن الحكومة تسعى لإسقاط السلطة، لأن وجودها يعد دليلًا على وجود الشعب الفلسطيني وهو عائق نحو ضم الضفة.
سادسا: السعي لسحق المقاومة وتفكيك بنيتها التنظيمية
يعد هذا هدفًا استراتيجيًا مستمرًا، ارتفعت حدته ولاسيما خلال الحملات العسكرية الأخيرة ضد مخيمات شمال الضفة، وقد دمر نحو نصف مباني مخيمي جنين ونور شمس، بالإضافة إلى نحو 36% من مباني مخيم طولكرم، إلى جانب تدمير الطرق وشبكات المياه والكهرباء.
أسفرت العمليات العسكرية عن تهجير حوالي 40 ألف فلسطيني، واستمرت قوات الاحتلال في تنفيذ عمليات القتل الميداني، وتوسعت حملات الاعتقال وتعذيب المعتقلين.
وعلى الرغم من التنسيق الأمني مع السلطة، لم تتوقف وتيرة المقاومة، ولكنها خفّت.
سابعا: التهجير
يعتبر التهجير جزءاً أساسياً من طبيعة المشروع الصهيوني، ولكن الحكومة الإسرائيلية الحالية باتت أكثر وضوحًا وصراحة في التعامل مع هذا الملف.
ترى الحكومة أن الفلسطينيين يشكلون “قنبلة ديمغرافية”، خاصة مع تجاوز أعدادهم أعداد اليهود في فلسطين التاريخية هذا العام.
ومع ذلك، فإن إصرار الفلسطينيين على البقاء، والرفض العربي الواضح للتهجير، وغياب الظروف الدولية المواتية، يفرض على الحكومة الإسرائيلية العمل على هذا الملف عبر زيادة العنف من قبل المستوطنين، وهدم المباني، ومصادرة الأراضي، بالإضافة إلى التضييق الاقتصادي والمعيشي، مما يؤدي إلى خلق بيئات طاردة تؤدي إلى نزيف مستمر.
تظل مخاطر التهجير الجماعي قائمة إذا توافرت أي ظروف تراها إسرائيل مناسبة.
اللعب بالنار
أثارت السياسات الإسرائيلية، خصوصًا إرهاب المستوطنين وما رافقها من حملات استيطانية غير مسبوقة، تخوفات عربية ودولية وحتى إسرائيلية من انهيار الأوضاع في الضفة الغربية، ما قد يؤدّي إلى انهيار السلطة وسيطرة أجواء تؤدي إلى انتفاضة شاملة. وقد تم التعبير عن تلك المخاوف في العديد من الإدانات من الدول الأوروبية والمجتمع الدولي.
في 26 يوليو/تموز 2026، وجه حوالي 600 من كبار المسؤولين الإسرائيليين السابقين (غالبيتهم ضباط في الجيش والأجهزة الأمنية) رسالة إلى الرئيس الأمريكي ترمب قبيل اجتماعه مع نتنياهو، طالبوه فيها بالتدخل لوقف ما وصفوه بإرهاب المستوطنين في الضفة.
ورأوا أن تصاعد العنف يهدد الأمن الإسرائيلي والمصالح الأمريكية في المنطقة، وقد يؤدي إلى كارثة.
إن الهجمة الإسرائيلية على الضفة الغربية هي هجمة شرسة وغير مسبوقة تستهدف تغييرًا جذريًا في الوضع القائم، تهدف إلى إلغاء الوجود الفلسطيني.
إنها هجمة تتجاهل جميع مسارات التسوية، واتفاقات أوسلو، والقوانين والقرارات الدولية، وتتداخل فيها سياسات المستوطنين مع الأداء الرسمي في المجال السياسي والعسكري والأمني، مما يسهم في إمكانية تفكيك السلطة الفلسطينية وإيجاد بيئات واسعة للتهجير.
من جهة أخرى، هذه الأوضاع تفتح المجال أمام انتفاضة شاملة وتؤدي إلى تعزيز المقاومة، كما تقلل من فرص التطبيع في البيئة العربية والإسلامية، مما يزيد من عزل إسرائيل دوليًا.
وفي الختام، فإن الخطر الوجودي على الضفة الغربية ما زال قائمًا، مما يتطلب توحيد جميع الجهود الفلسطينية والعربية والإسلامية والدولية لمواجهة العدوان الإسرائيلي ودعم صمود الشعب في الضفة وإفشال المخطط الصهيوني.
