
استيقظنا في صباح يوم السابع من أكتوبر على خبر صادم ومؤثر. ولم يسبق أن شهدت السجون مثل هذا الحدث من حيث تأثيره وعواقبه. تلك المعركة التي أُطلق عليها “طوفان الأقصى” وما تبعها من حرب مدمرة، من المؤكد أنها ستؤثر على العالم بتداعياتها، وستؤدي إلى نزاعات أخرى. أما في السجون، فقد كانت لها تداعياتها الخاصة وغير المسبوقة، من حيث مستويات القمع والانتهاكات التي تعرض لها الأسرى، ولا يزال يعاني منها من تبقى منهم، وكذلك في ما يتعلق بصفقات التبادل وعدد الأسرى الذين تحرروا.
من بين الإجراءات التي اتخذتها إدارة السجون كانت قطع محطات البث الفضائي، ومصادرة أجهزة التلفاز والراديو، ومنع إدخال الصحف، وتعليق زيارات الأهل، وإغلاق الغرف والأقسام، ومنع أي تواصل بين الأسرى، مما أدى إلى عزل الأسرى عن كل ما يجري خلف أسوار السجون؛ فكيف استطاع الأسرى متابعة الأخبار؟
في الأشهر الأولى للنزاع، كنا نعتمد على أجهزة الراديو “الترانزستور” التي استطعنا إخفاءها وتفادي الكشف عنها أثناء التفتيش. كنا نستمع الى الأخبار بشكل متواصل. وواجهتنا مشاكل عديدة: من إدارة الاستماع إلى نشرات الأخبار، وشحن البطاريات (كما شرحنا في حلقة سابقة)، وأماكن إخفاء هذه الأجهزة، ومراقبة إدارة السجن التي كانت تفرض عقوبات صارمة على الغرف التي يعثر على راديو بداخلها.
لكن مع مرور الوقت بدأ عدد هذه الأجهزة يتناقص. في البداية، كان في كل غرفة جهاز راديو، وربما أكثر، لكن الإدارة صادرت معظمها خلال المداهمات. حتى أصبحت كل قسم يحتوي على جهاز راديو واحد يتم من خلاله تبادل الأخبار. وطريقة تعميم الأخبار كانت تتم كما يلي:
خلال النهار، كانت الأخبار تُنشر من خلال نشرة مكتوبة يتم توزيعها سرياً عبر العمال الذين يتولون توزيع الطعام. وُكتبَت النشرات، قبل أن تصادر الأقلام، على كرتون أو أوراق يُعاد استخدامها عدة مرات. بعد نفاد الأوراق والأقلام، أصبحنا نستعمل أطباق الطعام البلاستيكية كوسيلة لتدوين الأخبار، حيث كنا نكتب الأخبار باستخدام برغي، ثم تُوزع الأطباق على الغرف.
الأخبار السريعة كانت تُنقل شفهيًا من خلال عمال تقديم الطعام خلال النهار. وفي المساء، كنا نراقب حركة قوات الشرطة في القسم، ثم يقف أحد الشباب على الباب ليبث نشرة الأخبار بصوته، مما يسهل على بقية الغرف سماعها. كانت تُبث نشرة أخبار واحدة أو أكثر في المساء، وعندما اكتشفت الإدارة ذلك، كانت تقوم بمداهمة الغرفة ومصادرة الراديو. وللتضليل، كنا نضطر إلى بث النشرات من النوافذ الخلفية بدلاً من الأبواب.
وسيلة أخرى كانت الهاتف. كنا نتابع أخبار النزاع من خلال الهواتف التي تناقصت بفعل المداهمات، حيث تمكنت الإدارة من الاستيلاء على معظم الهواتف في كافة السجون، ولم نعد نستخدمها؛ إذ لم يتبقى منها شيء. أما القلائل التي تبقت، فكانت مخبأة في أماكن سرية ومعقدة، إضافة إلى عدم توفر وسائل لشحن البطاريات. كما انقطع التيار الكهربائي عن الغرف بشكل دائم، باستثناء ساعة مخصصة في المساء.
والوسيلة الثالثة كانت عبر المحامي، سواء المحامي الذي يزور بعض الأسرى، أو المحامي الذي يتحدث مع الأسير لبضع دقائق عبر الفيديو كونفرنس، بعد أن منعت الإدارة المحاكمات حضورياً.
لكن هذه الوسيلة لم تعد فعالة في إيصال الأخبار، بسبب تضييق الخناق على المحامين، ومنعهم من تزويد أي أسير بأي معلومات حول النزاع، الأمر الذي جعل السجانات يرافقون الأسير أو المحامي أثناء الزيارة وأثناء المحكمة. وما كان يتسرب من معلومات من خلال المحامين، كان يعود بها الأسرى إلى أقسامهم ويتداولونها على نطاق واسع. كنا ننتظر بلهفة عودة الأسرى من زيارة المحامي لنتعرف على آخر الأخبار، وسرعان ما كانت تتداول في الأقسام.
للأسف، كان بعض المحامين يتحفظون في نقل الأخبار، إما بسبب الخوف من الإدارة، أو نتيجة عدم متابعة بعضهم للأحداث. وكان جل ما يهم هؤلاء المحامين هو الحصول على أجرهم من أهالي الأسرى، لنقل القليل من الأخبار العائلية والاطمئنان على وضع الأسير الذي تمت زيارته.
أما الوسيلة الرابعة في معرفة الأخبار، فكانت تعتمد على الأسرى الجدد الذين تدفقوا بكثرة على السجون؛ فكنا نجمع الأخبار من هنا وهناك. وأذكر كيف كنا نجلس مع الأسير الجديد لساعات وأيام نسأل عن كل التفاصيل. وفي بعض الحالات، كنا نستهلك أخبار قديمة منذ ثلاثة أشهر أو أكثر.
كنا نواجه صعوبة كبيرة في متابعة الأخبار، وتحليلها وتبادلها. في البداية، كان في كل غرفة راديو. ثم أصبح في كل قسم راديو واحد، وبعدها وكان هناك راديو واحد في السجن. مع الوقت، لم يتبقَ أي راديو في السجن. كنا في بعض الأحيان نتابع الأخبار القادمة من راديو موجود في أحد السجون، ونتلقاها من أسرى يتم نقلهم بين السجون.
بالفعل، كنا نتابع الأحداث الخارجية من خلال هذه الوسائل البسيطة. وكنا نشعر بألم عميق إثر المآسي والمذابح التي تُرتكب ضد أهلنا في قطاع غزة. كنا نتابع بشغف أخبار صفقات التبادل. أي خبر قد يقرب موعد تحريرنا كنا نلاحقه بشغف. وكانت إدارة السجن تمنع تداول الأخبار، وأي أسير يُكتشف أنه ينادي أو يبث الأخبار، تتعجل الإدارة بمداهمة غرفته والاعتداء على من فيها ومعاقبتهم جميعًا.
ومع ذلك، ورغم شُح الأخبار والمعلومات، كنا نتابع أي خبر، نتداوله ونحلله بعمق. أيام الجمعة والسبت كانت هي الأيام التي لا تُتبادل فيها الأخبار؛ لأن زيارات المحامين والمحاكم لا تتم في هذين اليومين، لذا كنا نترقب بشغف يوم الأحد. أما خلال الأعياد اليهودية، وخاصة أعياد العرش والفصح، التي تستمر لعدة أيام، فلم تكن تصلنا أي أخبار خلالها. كنا ننتظر بشغف نهاية هذه الأعياد.
وهناك وسيلة أخرى لتلقي الأخبار، كانت عبر الإدارة، التي كانت تزودنا بأكاذيب وإشاعات تتعمد بثها من خلال ضباط الاستخبارات أو شرطة السجون. لم نتداول هذه الأخبار وكانت مشوبة بشكوك كبيرة.
لقد حولت إدارة السجون مسألة تسريب الأخبار أو تلقيها إلى جريمة، يعاقب الأسرى بسببها؛ ففي سجن النقب، على سبيل المثال، تعرض الأسير ثائر أبو عصب للضرب حتى الموت لأنه استفسر عن آخر الأخبار من أحد السجانين في الأسابيع الأولى للنزاع.
