بينما تفر الأمهات مع أطفالهن، وتتشتت الأسر بسبب الحرب، ويخاطر الآلاف بعبور البحر هرباً من العنف، تتسع دائرة المعاناة الإنسانية في اليمن، الذي عانى من سنوات طويلة من الصراع.
وقد تمكن الحوثيون المدعومون من إيران، الأسبوع الماضي، من السيطرة على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، مما عزز سلطتهم على مضيق باب المندب الاستراتيجي. لكن القتال الأخير مع القوات الموالية للحكومة المعترف بها دولياً، التي تتخذ من عدن مقرًا لها، أحدث موجة جديدة من النزوح وأزمة إنسانية متفاقمة، وسط تحذيرات أممية بشأن نقص حاد في المساعدات.
22 مليون شخص يعتمدون على المساعدات
وحذرت الأمم المتحدة، يوم الجمعة (18 سبتمبر/أيلول)، من أن تدهور الأوضاع الأمنية أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في بلد يعاني من واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم.
وبحسب الوكالات الأممية، يعتمد حوالي 22 مليون شخص، أي ما يقارب نصف سكان اليمن، على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
وقال عبد الستار عيسويف، رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في اليمن، إن الموارد الإنسانية المتاحة أصبحت شحيحة للغاية، محذراً من أن المخزونات الإغاثية قد تنفد قريباً. وأضاف أن ما لا يقل عن 112 ألف شخص قد نزحوا من مناطقهم، بينما فر أكثر من 100 ألف شخص خلال الأسبوعين الماضيين فقط.
أمهات يهربن بأطفالهن .. ومواليد في العراء
وراء أرقام النزوح تكمن مآسي إنسانية يومية. فمع تصاعد القتال، اضطرت العديد من النساء إلى الفرار مع أطفالهن دون أن يحملن أي من ممتلكاتهن.
وقال عيسويف إن بعض النساء أنجبن أطفالهن في العراء دون أي رعاية أو مساعدة طبية بعد فرارهن من مناطق القتال.
وفي ذات السياق، أكد فرانشيسكو غالتييري، ممثل صندوق الأمم المتحدة للسكان، أن الأزمة الإنسانية “تتفاقم ساعة بعد ساعة”، موضحًا أن بين النازحين حوالي ألفي امرأة حامل، ومن المتوقع أن تضع حوالي 200 منهن مواليدهن قريباً.
كما حذرت وكالات الأمم المتحدة من نقص التمويل، مشيرة إلى أن بعض برامج المساعدات لا تتلقى حالياً سوى أقل من 20% من التمويل المطلوب.
الهروب عبر البحر بحثاً عن الأمان
ولم يتوقف النزوح عند حدود اليمن، إذ هرب الآلاف عبر خليج عدن نحو جيبوتي هرباً من القتال. وأفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن حوالي ثلاثة آلاف شخص وصلوا بالقوارب إلى جيبوتي خلال الأيام الأخيرة، في رحلة بحرية محفوفة بالمخاطر عبر مضيق باب المندب.
وفي مراكز الاستقبال، قالت ساندرين ديسامور، ممثلة مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في جيبوتي: “يروي الوافدون الجدد قصص هروبهم من القصف المفاجئ والقذائف وإطلاق النار، وكيف كانوا يخشون على أرواحهم؛ حيث كانت الأمهات يجمعن أطفالهن بسرعة وما يمكنهن حمله”.
وأضافت أن كثيرين اضطروا لترك أفراد من عائلاتهم خلفهم على أمل لمّ شملهم لاحقاً، مشيرة إلى أن البحر الهائج ونقص الوقود في اليمن يزيدان من صعوبة الهروب.
وأوضحت ساندرين ديسامور أن تدفق اللاجئين من اليمن يزيد الضغط على جيبوتي التي يبلغ عدد سكانها مليون نسمة فقط، والتي استقبلت بالفعل 36 ألف لاجئ من الصومال وإثيوبيا. ورغم أن عدد اللاجئين من اليمن يبدو قليلًا، إلا أنه يجب اعتباره في سياق إجمالي سكان هذا البلد الواقع في شرق إفريقيا.
تقع جيبوتي في القرن الأفريقي، ويشكل اللاجئون حوالي 3% من إجمالي سكانها.
“وراء كل رقم أسرة فقدت كل شيء”
وأكدت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة، إيمي بوب، أن معاناة اليمنيين لا يمكن اختزالها في الإحصاءات.
وقالت: “وراء كل رقم توجد أسرة فقدت كل شيء. نزح الكثيرون عدة مرات، ويعبر الناس البحر دون أن يحملوا معهم شيئًا لأنهم ليس لديهم خيار آخر”.
وأضافت أن اليمن، الذي أنهكه الفقر والصراع لسنوات طويلة، لا يستطيع مواجهة هذه الأزمة المتفاقمة بمفرده.
ومع استمرار المعارك وتراجع الموارد الإنسانية، يبقى مطلب ملايين اليمنيين بسيطًا: الأمان، وسقف يحمي أسرهم، ومستقبل بعيد عن الحرب.
ص.ش/ع.ج.م (د ب أ، أ ف ب، رويترز)
