مع تصاعد الأوضاع في اليمن واستيلاء جماعة أنصار الله “الحوثيين” على مواقع استراتيجية، تتشكل توجهات جديدة من المتوقع أن تؤثر على المنطقة والعالم، خاصة مع اقترابهم من مضيق باب المندب المهم.
وأشارت مصادر عسكرية في تقرير يوم الخميس إلى أن الحوثيين قد استولوا على مدينة المخا الساحلية وتقدموا نحو جزر استراتيجية بما في ذلك جزر حنيش، في الوقت الذي وصل فيه سعر خام برنت إلى 105 دولارات للبرميل، وسط تصاعد الأنشطة البحرية غير المعتادة.
الخطط الميدانية وأبعاد السقوط بتوجيهات من الحرس الثوري
ذكرت مصادر حكومية يمنية وأخرى إيرانية وإقليمية لوكالة “رويترز”، أن الهجوم السريع الذي نفذه الحوثيون على طول البحر الأحمر جاء بناءً على توجيهات مباشرة من الحرس الثوري الإيراني، كجزء من مساعي طهران لفتح جبهة جديدة لمواجهة الولايات المتحدة.
وباستحواذهم على مدينة المخا، عزز الحوثيون نفوذهم على مضيق باب المندب، وهو معبر مائي حيوي قد يؤثر تعطيله على إمدادات الطاقة العالمية، خاصة مع الحصار الإيراني لمضيق هرمز.
وأكد مصدران إيرانيان أن طهران أوصت الحوثيين الأسبوع الماضي بتصعيد هجماتهم على المملكة العربية السعودية، مع توفير وعود بمنحهم مزيدًا من الأموال والأسلحة والدعم القيادي لتنفيذ ذلك.
وبينما تصف إيران الحوثيين بأنهم حلفاء، فإنها تنفي تقديم أي دعم عسكري لهم، مؤكدة عدم كونهم وكيلا لها.
كما أفاد دبلوماسي إقليمي أن العديد من قادة الحرس الثوري توجهوا إلى اليمن للإشراف على الهجمات الحوثية ضد السعودية، بعد أسابيع من المشاورات حول الاستراتيجية العسكرية.
من جهة أخرى، صرح مسؤول حكومي إيراني بأن طهران عقدت عدة اجتماعات مع حلفائها، بما فيهم الحوثيين، مشيرًا إلى أن التحرك في المخا كان قرارًا حوثيًا مستقلًا، ولكنه أكد أن تلك الخطوة خدمت إيران من خلال الضغط على أسعار النفط وإلحاق الضرر بالمصالح الأمريكية والسعودية.
وأكدت 5 مصادر عسكرية حكومية لـ”رويترز” أن الحرس الثوري هو الذي قاد الحملة الحوثية على طول البحر الأحمر، بدءًا من القصف الصاروخي المكثف.
وأفادت المصادر العسكرية اليمنية أن الجهود الإيرانية كانت تحت قيادة عبد رضا شهلائي، القائد البارز في الحرس الثوري.
ورغم عدم تأكيد المصادر الإيرانية لذلك بشكل مباشر، فإنهم سبق وأن وصفوا شهلائي كقائد في فيلق القدس قضى بعض الوقت في اليمن خلال السنوات الأخيرة.
كما أضافت المصادر الإيرانية أن الحرس الثوري لا يزال قادرًا على نقل الأسلحة والأفراد من وإلى اليمن على الرغم من الحصار الجوي والبحري المفروض.
وفي تعليقه، قال أحمد ناجي، محلل الشؤون اليمنية في مجموعات الأزمات الدولية: “إذا نظرنا إلى هجماتهم على الساحل الغربي، فلن نجد أنها نُسقت قبل أسبوع أو شهر،” وواصفًا السيطرة على المخا بأنها تحول رئيسي في مسار الحرب.
وتابع ناجي موضحًا أن “تحسن أداء الحوثيين جاء بفضل الأسلحة الجديدة التي حصلوا عليها، سواء من الإيرانيين مباشرة أو عبر شبكات التهريب التي يعتمدون عليها”، مشيرًا تحديدًا إلى استخدامهم الطائرات المسيرة في الهجوم الأخير.
التداعيات الجيوسياسية والاقتصادية على الملاحة والنفط
ذكرت مصادر عسكرية حكومية يمنية أن الحوثيين قد عززوا نفوذهم على مضيق باب المندب، المنفذ الجنوبي للبحر الأحمر وأحد أبرز الممرات الملاحية عالميًا، كما وصلوا إلى جزر حنيش.
إذا تمكن الحوثيون من السيطرة الكاملة على باب المندب، والذي يقع مقابل مضيق هرمز في شبه الجزيرة العربية، فقد يمنح ذلك طهران ميزة استراتيجية هامة في صراعها مع أمريكا، مما قد يؤدي إلى تقليص إمدادات الطاقة عبر ثاني أكبر ممر بحري رئيسي ويجعل أسعار النفط ترتفع بشكل كبير.
في المقابل، أكد مركز تنسيق العمليات الإنسانية التابع للحوثيين في بيان أن الملاحة البحرية في البحر الأحمر آمنة لجميع شركات الشحن باستثناء السفن السعودية.
تعتمد السعودية، بوصفها أكبر مصدّر للنفط في العالم، على مسار البحر الأحمر بعد الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز بسبب النزاع مع إيران، حيث كان الممر يعبر منه نحو خمس النفط العالمي.
قال المتحدث باسم الحوثيين محمد عبد السلام، إن العمليات التي ينفذها الحوثيون دفاعية فقط وتتوقف عند توقف الهجمات على اليمن.
شارك الحوثيون في الحرب إلى جانب إيران، حيث شنوا هجومًا على إسرائيل في مارس الماضي، قبل أن يلتزموا الهدوء حتى إعلانهم عن حظر بحري ضد السعودية في يوليو، ثم استأنفوا الهجمات على الجنوب هذا الشهر.
تسود التوترات الميدانية في المنطقة، حيث أطلقت سلطات الدفاع المدني السعودي إنذارات طوارئ في مدينة خميس مشيط بالجنوب الغربي للمرة الرابعة خلال 24 ساعة بسبب الهجمات الحوثية.
أكدت مصادر سعودية وباكستانية وإيرانية أن إسلام آباد أبلغت طهران بضرورة كبح الحوثيين لتجنب تفاقم الأزمة، بينما أفاد مسؤول إيراني رفيع أن رد طهران كان بأن “إيران لا تسيطر على الحوثيين”.
يأتي هذا الصراع بين حلفاء الحكومة اليمنية المعترفة بها دوليًا والحوثيين بعد أكبر موجة من الهجمات المتبادلة على الملاحة البحرية في منطقة الخليج بين إيران وأمريكا هذا الأسبوع، منذ بدء الحرب في أواخر فبراير.
حالة الغموض العسكري وردود الفعل الرسمية
مع بدء تقدم الحوثيين نحو المخا الأسبوع الماضي، طالبت الحكومة اليمنية بدعم جوي ومساعدات إضافية من الجانب السعودي، وفقًا لما أفاد به مسؤولان يمنيان.
كانت الحكومة تخطط للإقدام على حملة جوية سعودية تستهدف المواقع الحوثية في معاقلهم الرئيسية، بما في ذلك صنعاء، ومخازن النفط الاستراتيجية، إلا أن المملكة اقتصر دورها على تقديم الدعم اللوجستي والتسليحي والاستخباراتي مع تنفيذ ضربات جوية محدودة تركزت على جبهات القتال الشمالية في محافظتي الجوف ومأرب، وهما منطقتان اعتبرتهما الحكومة أقل أهمية.
ووفقًا لتقييم المسؤولين، كانت الرياض حريصة على تجنب تصعيد حاد مع الحوثيين خوفًا من إثارة هجمات أكثر شدة بالطائرات المسيرة على الأراضي السعودية.
لا يزال الوضع العسكري العام في اليمن صعبًا للتقييم بعد سنوات من تجميد العمليات العسكرية الكبرى منذ التوصل إلى هدنة في عام 2022.
قال ناجي إنه رغم أن الفترات السابقة من القتال في تهامة شهدت تقدمًا وتراجعًا مفاجئًا، فلا يتضح ما إذا كانت القوات المدعومة من السعودية قادرة على إزاحة الحوثيين بسهولة هذه المرة، مضيفًا: “ربما نشهد بعض التقدم من الجانب الحكومي إذا حصلت على الدعم المناسب من السعوديين، لكن ذلك قد يكون أكثر صعوبة هذه المرة”.
وأشار مسؤولون عسكريون حكوميون إلى أن القوات الحكومية وحلفاءها يعيدون تنظيم أنفسهم جنوبًا على طول ساحل البحر الأحمر تجاه منطقة ذباب المطلة على المضيق والمقابلة لجزيرة “بريم”، مؤكدين أن السيطرة على ذباب والجزيرة تعد أمرًا حيويًا للتحكم في المضيق.
يوجد مضيق باب المندب، المعروف أيضًا باسم “بوابة الدموع” لجعل الملاحة فيه خطرًا، بين اليمن في شبه الجزيرة العربية وجيبوتي وإريتريا على الساحل الأفريقي، مما يجعله مكسبًا كبيرًا للحوثيين الذين يسيطرون على المناطق ذات الكثافة السكانية العالية ومعظم شمال اليمن.
يُعتبر المضيق أحد أهم مسارات النفط الخام والوقود الموجه من الخليج إلى البحر المتوسط عبر قناة السويس أو خط أنابيب سوميد على الساحل المصري للبحر الأحمر، بالإضافة إلى السلع المتجهة إلى آسيا بما فيها النفط الروسي.
