كيف تشكلت قشرة الزئبق عن طريق البراكين الشديدة

سطح كوكب عطارد قاحل ومغطى بالفوهات البركانية، مما يجعله يبدو كعالم خامد لفترات طويلة. أظهرت مهمة ماسنجر التابعة لوكالة ناسا، التي استمرت من عام 2011 إلى عام 2015، أن سطح عطارد يحتوي على سهول حمم بركانية واسعة تصل سماكتها إلى أكثر من كيلومتر واحد. بالإضافة إلى ذلك، تم العثور على سمات بركانية مثل التجاويف، وفتحات الحمم البركانية، والرواسب الحمراء التي تُعرف بالوجهيات، مما يقدم أدلة على الانفجارات البركانية الناتجة عن صهارة غنية بالمعادن المتطايرة. تشير هذه الأدلة إلى أن النشاط البركاني لعطارد قد حدث في الماضي، وتحديدًا منذ حوالي 4.1 إلى 3.5 مليار سنة.
تشير الأبحاث الجديدة إلى أن عملية تشكل عطارد ربما كانت أكثر نشاطًا بركانيًا مما كان يُعتقد سابقًا. الدراسة المعنونة “وفرة SiO2 على أسطح القمر وعطارد” نُشرت في مجلة أبحاث الكواكب بواسطة كريستيان رينجلي، عالم أبحاث في معهد ماكس بلانك لأبحاث النظام الشمسي.
يعتبر محتوى SiO2، أو السيليكا، أحد المؤشرات الهامة لفهم تكوين القشرة الكوكبية وتطور صهارتها. ولقد أظهرت أبحاث سابقة وجود علاقة بين محتوى السيليكا ولزوجة الصهارة، وهو ما يساعد العلماء على فهم العمليات البركانية التي شيدت أسطح الكواكب، بما في ذلك كوكب عطارد. في هذه الدراسة، بدأ الباحثون بتحليل القمر وطبقوا نتائجهم على عطارد. استخدموا مقياس كريستيانسن (CF) لقياس التركيب المعدني، حيث يتغير الطول الموجي لهذه الخاصية وفقًا لتغيرات التركيب الكيميائي للصخور.
أظهرت النتائج أن استخدام CF لرسم خريطة محتوى السيليكا على سطح القمر كان دقيقًا. وقد قُسم سطح القمر إلى نوعين رئيسيين، المرتفعات القمرية وسهول الحمم البركانية البازلتية. كما أن خريطة المحتوى السيليكوني استندت إلى عينات تم جمعها من القمر عبر مهام الاستكشاف، مما أكد دقة التحليل.
قال رينجلي: “لقد كانت القمر نقطة مرجعية لنا، ونقطة انطلاق مفاهيمية مهمة نحو دراسة عطارد”. وقد أكدت النتائج نجاح استشعار محتوى السيليكا، مما سمح للباحثين بتطبيق الطريقة لرسم خريطة على عطارد. استنادًا إلى القياسات التي تم إجراؤها، بلغ محتوى SiO2 في سطح عطارد حوالي 37% بالوزن، مما يعني أن الكوكب لديه نسبة أقل من السيليكا تصل إلى 25% عن سابق اعتقادات العلماء.
وأضاف رينجلي: “تشير النتائج إلى أن الصخور البركانية في عطارد تشكلت من مادة الوشاح الذائبة بشكل أعمق مما كان يُعتقد سابقًا”. وهذا يعني أن التركيب الداخلي لعطارد، بما في ذلك درجة حرارة الوشاح، هو سوى جزء من صورة أكبر تكشف عن كيفية تكونت الأرض.
مستقبل البحوث حول عطارد يحمل آمالاً كبيرة، حيث من المقرر أن تصل المركبة الفضائية ESA/JAXA BepiColombo إلى عطارد في نوفمبر وستدخل مداره. ستقوم أداة Mertis الخاصة بمركبة BepiColombo بفحص سطح الكوكب ورسم خريطة لتكوين المواد والمعادن والملامح الحرارية في نطاقات الأشعة تحت الحمراء.
قال رينجلي في نهاية الدراسة: “تضع دراستنا الأساس لاستخلاص المعلومات الدقيقة حول محتوى السيليكا على سطح عطارد من قياسات BepiColombo”. هذه المعلومات ستساهم في تعديل فهمنا للأحداث البركانية والتاريخ الجيولوجي للكوكب، مما يجعل هذه البحوث غير مسبوقة في مجالات علم الفلك والجيولوجيا الكوكبية.
