
عندما تقول الدكتورة دلال عريقات إن “أمن الإسرائيلي لن يتحقق من دون أمن الفلسطيني”، تعبر عن فكرة تفيد بأن الاستقرار لا يمكن أن يتجلى في ظل غياب الحقوق والعنف. ويتبادر إلى الذهن سؤال مهم يتعلق بالجمهور الفلسطيني: ماذا عن الخطاب الموجه إليهم بشأن سنوات الانقسام والتراجع السياسي، وما هي مسؤولية القوى والمؤسسات الوطنية في الوصول إلى هذا الواقع؟
وبخصوص مخاطبة المجتمع الإسرائيلي، تختلف الآراء؛ فبعضهم يعتبرها وسيلة لنقل الموقف الفلسطيني مباشرة إلى الطرف الآخر، وهو أسلوب اتبعته العديد من القيادات والشخصيات عبر السنوات، بينما يظهر آخرون تحفظات جادة، لاسيما بعد تجارب أظهرت أن التصريحات الفلسطينية في وسائل الإعلام العبرية قد تكون مجتزأة أو خارج سياقها.
من وجهة نظري، لا أرى جدوى كبيرة في هذا النوع من الظهور الإعلامي والحوار باللغة العبرية. فالسؤال الأهم ليس: هل يمكننا مخاطبة المجتمع الإسرائيلي؟ بل: ما الفائدة الحقيقية من هذه المخاطبة؟ ماذا غيّرت هذه الخطابات عبر السنوات الماضية؟ وهل كان لها تأثير في المواقف والسياسات، أم أنها بقيت مجرد حضور إعلامي؟
وإذا كان لا بد من مخاطبة هذا المجتمع، فينبغي أن تكون انطلاقتها من موقف واضح وندية، مع التمسك بسردية الفلسطيني صاحب الأرض الأصلي، وليس من موقع تقديم القضية بشكل دفاعي. فالخطاب السياسي يمكن أن يتوجه إلى جهات متعددة، لكن مخاطبة الآخر لا تعني التنازل عن الثوابت أو إعادة صياغة القضية لملاءمة توقعاته؛ بل هي تعبير عن حق صاحب الحق، وليس محاولة لطرف مغلوب لاستنصار الطرف الأقوى لإقناعه بصحة حقوقه.
لذا، يجب تقييم هذا الظهور ليس بناءً على اختيار الوسيلة الإعلامية وإنما على مضمون الخطاب وحدوده: ماذا نقول؟ ومن أي موقع نقوله؟ وهل نركز على القضية وحقوق الفلسطينيين أم ننزلق نحو خطاب مشوش لا يقر حقًا ولا يلغي باطلًا؟
وعندما تتحدث عريقات عن تيار في إسرائيل يدافع عن “الديمقراطية والمساواة وسيادة القانون”، أتساءل: هل تعتقد أن هذه المفاهيم تشمل الفلسطينيين وحقوقهم، أم هي محصورة في إدارة الصراعات الداخلية للمجتمع الإسرائيلي؟ فوجود تيارات معارضة داخل “إسرائيل” لا يعني بطبيعة الحال معارضتها للاحتلال أو الاستيطان، أو تبني رؤية تعترف بالحقوق الفلسطينية؛ وبالتالي، فإن الحديث عن “الديمقراطية” في هذا السياق يحتاج إلى تدقيق دقيق، خاصة في ظل واقع سياسي وقانوني يمارس الإبادة بحق الفلسطينيين في غزة، والتضييق والتهجير القسري في الضفة الغربية.
وينطبق الأمر نفسه على مفهومي الاحتلال والاستيطان؛ فاختزال الأزمة في صعود “التطرف” أو “عنف المستوطنين” قد يحجب الحقيقة بأن هذه الجماعات تعمل بتوجيه ورعاية مباشرة من المؤسسات الإسرائيلية، وليست ظاهرة مستقلة أو سلوكاً عشوائياً فردياً.
كما أن دعوة حلفاء إسرائيل للضغط من أجل إنهاء الاحتلال تثير تساؤلًا آخر حول جدوى الاعتماد على المجتمع الدولي والوسطاء: فإذا كانت القرارات الدولية قد اعترفت بحقوق الفلسطينيين منذ عقود، فلماذا لم تتحول إلى إجراءات ملزم؟ وإن كان القول بأن إنهاء الاحتلال يخدم الطرفين يتطلب فكًا واضحًا؛ إذ ترى تيارات واسعة في إسرائيل أن الاستيطان والضم مشروع وجودي، ويبقى أمن الفلسطيني وحقه في الحرية والكرامة حقًا أصيلاً قائمًا بذاته.
في الشأن الداخلي، تتقاطع المطالب المتعلقة بإنهاء العدوان، ورفع الحصار، وإعادة الإعمار، وتحقيق الوحدة الوطنية مع التطلعات الشعبية. لكن استدعاء “الشرعية الديمقراطية” كمدخل للحل يتطلب قراءة نقدية لتجربة انتخابات 2006 وما نتج عنها من انقسام سياسي ومؤسسي. وبالتالي، فإن الحديث عن تجديد الشرعية لا ينفصل عن مراجعة البيئة المؤسسية، لضمان ألا تُختزَل الديمقراطية في صندوق الاقتراع، بل تتعدى ذلك إلى احترام النتائج والتداول السلمي للسلطة.
إن الاتجاه نحو الانتخابات دون إصلاح بنيوي ومؤسسي يترك الباب مفتوحًا لتكرار الأزمات. وهنا تظهر الحاجة لمسار توافقي يحدد المرجعيات الوطنية، ويعيد بناء التفاهمات، ويعزز استقلال القضاء، ويضمن تحصين القرار الفلسطيني من التدخلات الخارجية.
وينطبق هذا الطرح على دور الشباب والمرأة؛ إذ لا يمكن معالجة عزوف الشباب أو تهميش المرأة بدعوات تحفيزية أو تنظيمية (“كوتا”)، بل يتطلب فتح المجال العام، واحترام الكفاءات، وحماية الحريات والعمل النقابي، وتوفير قنوات فعالة للتأثير وصناعة القرار على أساس الكفاءة وتكافؤ الفرص.
ختامًا، إن تحويل مبادئ الحرية والديمقراطية والمساءلة إلى ممارسة فعلية يتطلب الانتقال من الأطر النظرية إلى آليات تنفيذية قابلة للتطبيق.
فإن بناء مشروع يستعيد ثقة الشارع يحتاج إلى مؤسسات تخضع للمواطنة والمساءلة، ومراجعة صادقة للتجربة السابقة.
والأسئلة القائمة اليوم هي: كيف يمكن استعادة ثقة الشارع الفلسطيني؟ وكيف يمكن بناء مؤسسات شاملة ومسؤولة؟ هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن الرسائل الموجهة إلى الخارج، بل هي حجر الأساس لأي مشروع سياسي قادم. فإذا كان الهدف هو إيصال الصوت الفلسطيني للعالم، فإنه من الضروري أن نسأل أولاً: من يخاطب الفلسطينيين، وماذا يقدم لهم بشأن مستقبلهم وحقوقهم؟
