مصدر الصورة: Pinterest
في سبتمبر، تتجه أنظار العالم إلى جزيرة الليدو في البندقية. هنا يصل نجوم السينما إلى السجادة الحمراء، وتستقبل قاعات Palazzo del Cinema عروض مهرجان البندقية السينمائي، فيما تتحول المنطقة المحيطة إلى ملتقى للسينمائيين والصحافة والجمهور.
لكن المشهد الذي تعرفه عدسات العالم لا يمثل سوى جانب واحد من شخصية الليدو.
فما إن يبتعد الزائر قليلًا عن منطقة المهرجان حتى تتغير الصورة. تمتد الجزيرة بين البحر الأدرياتيكي وبحيرة البندقية، وتظهر الشواطئ الرملية والحدائق والفيلات ذات الطابع الـArt Nouveau، فيما تقود الطرق الهادئة إلى Malamocco ومناطق طبيعية في Alberoni وSan Nicolò
لهذا تبدو جزيرة الليدو في البندقية وجهة تستحق الاكتشاف بحد ذاتها، لا مجرد موقع يستضيف واحدًا من أعرق مهرجانات السينما في العالم. ففي المكان نفسه يمكن أن يبدأ اليوم أمام السجادة الحمراء، ثم ينتقل إلى البحر والعمارة والتاريخ والطبيعة، من دون مغادرة الجزيرة.
الليدو… جزيرة بين البحر والبحيرة
تقع جزيرة الليدو أمام المركز التاريخي للبندقية، وتشكل شريطًا من الأرض يفصل بين البحر الأدرياتيكي وبحيرة البندقية. ويصفها الموقع السياحي الرسمي للمدينة بأنها تقع في موقع استثنائي بين البحر والبحيرة وعلى مسافة قريبة من المركز التاريخي للبندقية، بينما يبلغ امتداد الجزيرة نحو 11 كيلومترًا.
وهذا الموقع هو مفتاح فهم شخصيتها.
فإذا كانت البندقية التاريخية ترتبط في المخيلة بالقنوات والجسور والممرات الحجرية، فإن الليدو تقدم إيقاعًا مختلفًا. هناك طرق وشوارع ومساحات خضراء وواجهة بحرية طويلة، إلى جانب إمكانية التنقل بالدراجة واستكشاف الجزيرة سيرًا على مهل.
حتى السياحة الرسمية في البندقية تقترح الليدو كرحلة تجمع بين الفن والطبيعة والبحر والبحيرة، وهو ما يجعلها أقرب إلى وجهة مستقلة داخل تجربة البندقية منها إلى مجرد امتداد للمركز التاريخي.
Palazzo del Cinema
حيث تلتقي الليدو بتاريخ السينما
يبقى Palazzo del Cinema نقطة البداية الطبيعية لمن يريد اكتشاف علاقة الجزيرة بالسينما. فالمبنى، الواقع على Lungomare Marconi، يرتبط مباشرة بمهرجان البندقية السينمائي، وتستضيف Sala Grande فيه العروض الرئيسية للحدث. وفي دورة 2026، تعود الأضواء إلى الجزيرة مع الدورة الثالثة والثمانين من المهرجان، التي تقام بين 2 و12 سبتمبر.
لكن أهمية Palazzo del Cinema لا تكمن فقط في برنامج سبتمبر. فوجود هذا المبنى ومواقع المهرجان في قلب الجزيرة منح الليدو، على مدى عقود، هوية سينمائية أصبحت جزءًا من صورتها العالمية.
ومن هنا يمكن أن تبدأ الزيارة: من الساحة التي تستقبل أجواء المهرجان، ثم الانطلاق بعيدًا عنها لاكتشاف الجزيرة التي تعيش إيقاعًا مختلفًا تمامًا.
عمارة الليدو: أناقة Art Nouveau بعيدًا عن القنوات
من أكثر المفاجآت التي تقدمها جزيرة الليدو في البندقية أن شخصيتها المعمارية تختلف أيضًا عن الصورة التقليدية للبندقية.
ففي شوارع مثل Via Enrico Dandolo وVia Vettor Pisani، تقترح المسارات السياحية الرسمية التوقف أمام مجموعة من الفيلات ذات الطابع الـArt Nouveau، ضمن رحلة تجمع العمارة بالحدائق والواجهة البحرية.
كما يشكل Hotel Ausonia Hungaria وHotel Excelsior جزءًا من المشهد المعماري والسياحي للجزيرة، ويظهران ضمن المسارات الرسمية التي تربط بين وسط الليدو ومنطقة المهرجان.
وهنا تصبح الجولة المعمارية تجربة قائمة بذاتها. فبدل البحث عن المعالم الفينيسية المألوفة، يمكن مراقبة تفاصيل الواجهات والشرفات والحدائق والفيلات التي تعكس مرحلة مختلفة من تطور الليدو كوجهة للترفيه والإقامة الراقية.
إنها بندقية أخرى؛ أقل ارتباطًا بالمشهد الكلاسيكي للمدينة، وأكثر انفتاحًا على البحر والضوء والمساحات الخضراء.
شاطئ الليدو: عندما تتحول البندقية إلى وجهة بحرية
ربما يكون الشاطئ أكثر ما يوضح الفرق بين الليدو والمركز التاريخي للبندقية. فالجزيرة معروفة بشاطئها الرملي الذهبي، حتى إن السياحة الرسمية تطلق عليها أحيانًا اسم «الجزيرة الذهبية». وموقعها بين البحر والبحيرة يجعلها مختلفة جذريًا عن المشهد الذي يتوقعه الزائر من البندقية.
هنا لا يختفي الماء داخل شبكة القنوات، بل ينفتح على البحر. ولهذا يمكن أن تبدأ التجربة في الليدو وسط أجواء السينما، ثم تنتقل إلى الواجهة البحرية في غضون وقت قصير. وبينما تستحوذ السجادة الحمراء على اهتمام وسائل الإعلام خلال المهرجان، يبقى الشاطئ مساحة تمنح الجزيرة إيقاعًا أكثر هدوءًا.
إنها المفارقة التي تجعل الليدو مثيرة للاهتمام: المكان الذي يستقبل نجوم السينما العالمية هو نفسه المكان الذي يمكن فيه الابتعاد عن الأضواء والجلوس أمام البحر.
الليدو بالدراجة… طريقة أخرى لاكتشاف الجزيرة
من الأفضل ألا تُكتشف الليدو بسرعة. فالجزيرة تتمتع بشوارع ومساحات تسمح بالتنقل بالدراجة، وتوصي المسارات السياحية الرسمية باستكشاف الحدائق والمناطق الطبيعية سيرًا أو بالدراجة، حتى خارج موسم الصيف.
وهذه الطريقة في التنقل تكشف تفاصيل لا تظهر عند الاكتفاء بمنطقة المهرجان: شوارع سكنية هادئة، حدائق، فيلات، واجهات بحرية، ثم مساحات أكثر طبيعية كلما اتجه الزائر جنوبًا.
وبذلك تصبح الدراجة وسيلة لقراءة الليدو لا مجرد وسيلة انتقال؛ إذ تسمح بالانتقال التدريجي من قلب المشهد السياحي إلى المناطق الأقل ازدحامًا.
Malamocco: الوجه التاريخي والمحلي للجزيرة
كلما ابتعد الزائر عن منطقة Palazzo del Cinema، تبدأ شخصية أخرى بالظهور. وتأتي Malamocco في مقدمة الأماكن التي تستحق التوقف. فالقرية التاريخية مدرجة ضمن المسارات الرسمية لاستكشاف الليدو، إلى جانب محطات معمارية وطبيعية أخرى تمتد على طول الجزيرة.
زيارة Malamocco تضيف بعدًا مختلفًا إلى الرحلة؛ فهي تخرج الزائر من أجواء الفنادق والمهرجان إلى مساحة أكثر ارتباطًا بالتاريخ والحياة المحلية.
وهنا تحديدًا يصبح عنوان الرحلة واضحًا: الليدو ليست جزيرة ذات وجه واحد، بل سلسلة من المشاهد التي تتغير مع كل كيلومتر.
في الشمال، أجواء المهرجان والعمارة والفنادق؛ وفي الوسط، الشوارع والواجهة البحرية؛ وفي الجنوب، Malamocco ثم Alberoni والمناطق الطبيعية.
Alberoni وSan Nicolò
الطبيعة خلف المشهد السينمائي
الرحلة إلى الليدو لا تنتهي عند الشاطئ، فالجزيرة تضم مناطق طبيعية يمكن أن تمنح الزيارة إيقاعًا أكثر هدوءًا، من بينها واحة WWF في Alberoni ومحمية San Nicolò الطبيعية، وهما من نقاط الوصول المقترحة ضمن المسارات الرسمية للجزيرة.
وتقدم منطقة Alberoni نموذجًا مختلفًا تمامًا عن منطقة المهرجان، مع الكثبان والموائل الطبيعية والشاطئ والمناطق الخضراء. وتوضح مواد السياحة الرسمية أن واحة الكثبان تضم منظومة طبيعية متنوعة تمتد بين الشاطئ والكثبان والمناطق الرطبة، إلى جانب غابة صنوبر.
وهكذا تتغير صورة الليدو للمرة الثالثة: بعد السينما والعمارة يأتي دور الطبيعة.
عندما تصبح السينما جزءًا من تجربة السفر
خلال مهرجان البندقية السينمائي، لا تقتصر أهمية الليدو على عروض الأفلام والسجادة الحمراء. ففي دورة 2026، يقام Venice Production Bridge بين 3 و9 سبتمبر، وتتركز فعالياته المهنية في Hotel Excelsior على الليدو، إلى جانب الأنشطة المرتبطة بـVenice Immersive Island في Lazzaretto Vecchio. ويضم البرنامج أسواقًا ولقاءات مهنية ومبادرات لصناعة الأفلام، من بينها Final Cut in Venice الذي يقام بين 6 و8 سبتمبر.
أما Venice Immersive فتقام فعالياتها المرتبطة بالتجارب الغامرة في جزيرة Lazzaretto Vecchio، ضمن البرنامج الأوسع للمهرجان.
لكن بالنسبة للزائر، تكفي الإشارة إلى أن الليدو خلال سبتمبر لا تستضيف عروضًا سينمائية فحسب؛ بل تصبح جزءًا من شبكة عالمية لصناعة الأفلام والتقنيات السينمائية والثقافة البصرية.
يوم واحد في الليدو… من السجادة الحمراء إلى البحر
يمكن أن تبدأ تجربة الليدو من منطقة المهرجان. زيارة Palazzo del Cinema تمنح الرحلة صلتها السينمائية، ثم يمكن الانتقال إلى الشوارع التي تضم الفيلات ذات الطابع الـArt Nouveau، قبل مواصلة الطريق نحو الواجهة البحرية.
بعد ذلك يأتي البحر كاستراحة طبيعية من أجواء المدينة، بينما يمكن تخصيص الجزء الثاني من اليوم لاكتشاف Malamocco أو التوجه جنوبًا نحو Alberoni والمناطق الطبيعية.
بهذه الطريقة لا تصبح زيارة الليدو مجرد «رحلة جانبية» من البندقية، بل تجربة لها إيقاعها الخاص: سينما في البداية، عمارة في الوسط، بحر وطبيعة في النهاية.
وفي موسم المهرجان يمكن أن يحدث العكس أيضًا؛ إذ يبدأ اليوم بعيدًا عن الأضواء، ثم يعود الزائر مساءً إلى منطقة السينما لمشاهدة أجواء المهرجان.
كيف تصل إلى جزيرة الليدو في البندقية؟
الوصول إلى الليدو جزء بسيط من تجربة اكتشافها. تصل خطوط الـvaporetto إلى Lido S.M.E.، وتربط الجزيرة بعدة نقاط في البندقية، من بينها Piazzale Roma وZattere وGiardini وS. Elena عبر الخط 6، كما تصل إليها خطوط من منطقة S. Marco/S. Zaccaria. وتظهر شبكة النقل الرسمية أيضًا Lido Casinò وLido S. Nicolò ضمن نقاط الوصول والخدمات المائية.
أما من يريد الوصول بالسيارة، فتوجد خدمة الـferry-boat على الخط 17 بين Tronchetto وLido S. Nicolò، ما يتيح نقل السيارات إلى الجزيرة.
وبمجرد الوصول إلى Lido S.M.E.، يمكن متابعة الرحلة سيرًا أو بالدراجة، بحسب الجزء الذي يرغب الزائر في اكتشافه.
لماذا تستحق جزيرة الليدو زيارة مستقلة؟
لأنها تقدم للبندقية وجهًا لا يظهر في الصور التقليدية. إنها ليست مدينة القنوات والجندول التي يعرفها الجميع، ولا مجرد منصة للسجادة الحمراء. إنها جزيرة تجمع بين البحر والبحيرة، والشاطئ والحدائق، والفيلات التاريخية والمواقع السينمائية، ثم تفتح الطريق نحو Malamocco وAlberoni. والأهم أن هذه العناصر لا توجد منفصلة عن بعضها.
ففي صباح واحد يمكن أن يبدأ الزائر بجولة معمارية، ثم يصل إلى البحر، وبعدها يستكشف قرية تاريخية أو منطقة طبيعية، بينما تبقى أجواء مهرجان البندقية قريبة بما يكفي للعودة إليها في المساء.
هذه الثنائية هي التي تمنح جزيرة الليدو في البندقية خصوصيتها: مكان هادئ بطبيعته، لكنه يتحول كل سبتمبر إلى نقطة التقاء للسينما العالمية.
الليدو قبل أن تبدأ الأضواء
في الأيام التي تسبق مهرجان البندقية السينمائي، تستعيد الليدو تدريجيًا ملامحها السينمائية.
تستعد قاعات العرض، وتتحرك الوفود والإعلاميون نحو الجزيرة، وتبدأ منطقة المهرجان في استقبال جمهورها.
لكن خلف هذه الحركة تبقى جزيرة أخرى.
تبقى الفيلات والحدائق والشاطئ وMalamocco وAlberoni، ويبقى البحر مفتوحًا بعيدًا عن عدسات المصورين.
وربما تكمن جاذبية الليدو الحقيقية في هذه المفارقة تحديدًا: جزيرة تعيش بهدوء معظم الوقت، ثم تقف كل عام، لأيام قليلة، في قلب صخب السينما العالمية.
ولهذا، فإن أفضل طريقة لاكتشافها ليست أن تكون السجادة الحمراء هي نقطة النهاية، بل أن تكون نقطة البداية.
من Palazzo del Cinema إلى البحر، ومن الفيلات إلى Malamocco، ومن أضواء المهرجان إلى واحات Alberoni الطبيعية، تكشف الليدو أن البندقية لا تتوقف عند القنوات والجسور، وأن وراء الصورة السينمائية الشهيرة جزيرة لها حكايتها الخاصة.
