تمكنت البحرية الألمانية هذا الأسبوع من تحقيق إنجاز تاريخي من خلال تعيين أوته نيكلاس كأولى السيدات اللواتي يتولين قيادة فرقاطة حربية ألمانية، حيث استلمت قيادة الفرقاطة “راينلاند-بفالتس” في مدينة فيلهلمسهافن (شمال ألمانيا).
تضمنت مراسم نقل القيادة حضور قائد الأسطول الرابع للفرقاطات، فولكر كوبش، الذي سلّم المسؤولية من القبطان بينيديكت آيشهورن إلى نيكلاس.
يمثل هذا التعيين إنجازًا رمزيًا ومهنيًا كبيرًا داخل القوات المسلحة الألمانية، حيث يعد دليلاً على التقدّم التدريجي لمشاركة النساء في المناصب القيادية العسكرية، خاصة في القطاعات القتالية التي كانت تقليديًا حكراً على الرجال.
قيادة في مرحلة مليئة بالتحديات
علقت أوته نيكلاس على توليها المنصب بالقول: “أتولى القيادة في مرحلة مثيرة ومليئة بالتحديات. سيكون من الضروري أن يتعاون الطاقم بأكمله.” كما أعربت عن سعادتها باستئناف الإبحار بالسفينة بعد فترة من الإصلاح. ووفقًا للبيان الصادر عن البحرية الألمانية، تتمثل المهمة الأساسية في هذه المرحلة في إعادة الفرقاطة “راينلاند-بفالتس” إلى حالة الجاهزية التشغيلية الكاملة.
تتمتع نيكلاس بأهمية خاصة لهذا المنصب بسبب خبرتها الطويلة في فرقاطات الطراز F125، إذ عملت سابقًا كضابط أول على متن السفينة نفسها، ما منحها فهمًا عميقًا بطبيعة المهام وبنية الطاقم وآلية العمل. كما كانت مؤخرًا ضابطة أركان للعمليات في قيادة العمليات في ولاية براندنبورغ.
نساء الجيش الألماني .. إنجازات متأخرة ولكن متنامية
تأتي تعيين أوته نيكلاس كأول قائدة فرقاطة في إطار تطور أوسع لدور المرأة داخل القوات المسلحة الألمانية. ورغم أن البعض يعتبر هذا الحدث متأخرًا، إلا أن التأخير مرتبط بأن جميع المسارات المهنية العسكرية لم تُفتح أمام النساء بشكل كامل إلا منذ عام 2001.
توضح هذه الحقيقة سبب استغراق الأمر نحو ربع قرن لوصول امرأة إلى قيادة فرقاطة حربية؛ إذ أن الوصول إلى هذا المستوى القيادي عادة ما يتطلب مسيرة مهنية تشمل عشرين عامًا أو أكثر من الخبرة والتدرج الوظيفي.
يمكن اعتبار تعيين أوته نيكلاس نتيجة طبيعية لتوسيع فرص النساء داخل الجيش الألماني على مر العقود، وفي الوقت نفسه بداية مرحلة جديدة قد تشهد صعود المزيد من القيادات النسائية إلى المناصب العليا.
النساء ما زلن أقلية في القوات المسلحة
على الرغم من هذا التقدم، لا تزال النساء يمثلن نسبة محدودة في صفوف الجيش الألماني. وفقًا للإحصائيات الرسمية الصادرة مطلع العام، يتجاوز عدد الجنديات 25 ألف امرأة ضمن أكثر من 184 ألف عنصر في القوات المسلحة، وهذا يعادل حوالي 13% فقط من إجمالي القوة البشرية، وفقًا لما ذكرته مجلة “دير شبيغل” على موقعها الإلكتروني.
تعكس هذه الأرقام أن مشاركة النساء ما زالت دون المستوى الذي تطمح إليه القوات المسلحة الألمانية، خاصةً في ظل سعيها المستمر لمعالجة نقص الأفراد واستقطاب فئات جديدة من المجتمع.
الحاجة إلى نماذج نسائية ملهمة
أشار مفوض شؤون القوات المسلحة في البرلمان الألماني في تقريره الأخير إلى أن “الإمكانات المتاحة للجنود من النساء لم تُستغل بالكامل.” ويرى التقرير أن وجود نماذج نسائية ناجحة في مواقع القيادة يشكل عاملًا هامًا لجذب مزيد من النساء إلى الخدمة العسكرية. وفي هذا السياق، يمكن اعتبار أوته نيكلاس نموذجًا يُظهر إمكانية وصول المرأة إلى أعلى المراتب القيادية في الوحدات القتالية.
تشير تقارير ومراقبات إلى أن صعوبة التوفيق بين الحياة الأسرية ومتطلبات الخدمة العسكرية لا تزال من أبرز العوامل التي تحد من انخراط النساء واستمراريتهن داخل المؤسسة العسكرية.
تحديات داخلية ما زالت قائمة
رغم التقدم المؤسسي، لا تزال تواجه النساء في الجيش الألماني بعض التحديات العملية. وقد أظهر تقرير لقناة “BR” (إذاعة بافاريا) أن نقص المعدات المناسبة للنساء لا يزال قائمًا رغم مرور 25 عامًا على فتح جميع التخصصات العسكرية أمامهن.
من أبرز الأمثلة على ذلك هو نقص السترات الواقية التي تتناسب مع الخصائص الجسدية للنساء. وفي هذا الإطار، أوضحت اللواء الطبية نيكول شيلينغ أن معالجة هذه المشكلة مدرجة ضمن أولويات المؤسسة العسكرية، لكن إجراءات التوريد والتجهيز ما زالت في مراحلها الأولية.
توضح هذه الحالة أن تحقيق المساواة لا يقتصر فقط على توفير الفرص المهنية، بل يستلزم أيضًا توفير بيئة عمل وتجهيزات تلبي احتياجات جميع أفراد القوات المسلحة.
يانا: نموذج آخر لحضور المرأة في الوحدات القتالية
تقدم الجندية يانا، التي تبلغ من العمر 29 عامًا، مثالًا آخر على تنوع أدوار النساء في الجيش الألماني. فهي تخدم في كتيبة المدفعية المدرعة 131 بمدينة فايدن، وتشرف على مدفع “بانزرهاوبيتز 2000” ذاتي الحركة وعلى طاقم مكون من five أفراد، وفقًا لتقرير لموقع تاغس شاو في منتصف يونيو/حزيران الماضي.
من المثير للاهتمام أن يانا لم تكن تخطط بالأساس للعمل في المدفعية، إذ إنها كانت قد تدربت سابقًا على مهنة الطهي وكانت ترغب في الانضمام إلى هذا المجال داخل الجيش. ولكن عدم توافر وظائف مناسبة دفعها للانضمام إلى سلاح المدفعية، حيث تمكنت من بناء مسيرتها العسكرية.
بين الهوية العسكرية والهوية الجندرية
تنصح يانا النساء الراغبات في الانضمام إلى القوات المسلحة بدراسة قدراتهن البدنية والعملية بعناية واختيار الاختصاص العسكري المناسب، خاصةً أن بعض المهام تتطلب جهدًا بدنيًا كبيرًا، مثل حمل القذائف التي قد يصل وزن أخفها إلى 42.8 كيلوغرامًا.
تشير “تاغس شاو” إلى أن تجربة يانا تبرز جانبًا ثقافيًا داخل الجيش الألماني؛ حيث لا تزال الألقاب العسكرية تُستخدم بصيغها الذكورية التقليدية حتى عند مخاطبة النساء، مثل “السيدة نقيب” أو “السيدة رقيب أول”. ومع ذلك، لا ترى يانا في ذلك مشكلة كبيرة، وتقول: “أنت جندي، بغض النظر عن جنسك”.
تحرير: عادل الشروعات
