يمكن لكاشفات موجات الجاذبية من الجيل التالي اكتشاف الثقوب السوداء الأولى
بعد مرور عدة مئات من الملايين من السنين على الانفجار الكبير، بدأت النجوم الأولى في الظهور، وتهدف هذه الظاهرة إلى إضاءة الكون في ما قد يُعتبر لحظة “ليكن هناك ضوء”. تُعرف هذه النجوم حالياً بنجوم الجيل الثالث أو Pop III، وكانت تختلف تماماً عن النجوم التي نعرفها اليوم، حيث تشكلت من الهيدروجين والهيليوم النقيين مع وجود القليل من العناصر الأخرى. وقد كانت هذه النجوم هائلة الحجم، إذ زادت كتلها عن الشمس بعشرات أو حتى مئات المرات. ولكن لم تدم حياتها طويلاً، إذ سرعان ما انهارت العديد منها لتصبح ثقوباً سوداء في الكون. ومن المثير للاهتمام أن بعض هذه الثقوب السوداء تفاعلت مع بعضها البعض، مما أدى إلى تصادمها وإنتاج موجات جاذبية، وإذا توفرت لدينا الكاشفات الحساسة بما فيه الكفاية، فإن إمكانية اكتشاف هذه الظواهر ستكون متاحة. ولدعم هذا، أظهرت دراسة جديدة أجراها عالم الفيزياء الفلكية NV Krishnendu وزملاؤه من جامعة برمنغهام، كيف يمكننا معرفة المزيد عن هذه الثقوب السوداء من خلال الجيل الجديد من كاشفات موجات الجاذبية المقرر إطلاقها قريباً.
حتى الآن، أثبتت مراصد موجات الجاذبية الحالية مثل LIGO في الولايات المتحدة، وVirgo في إيطاليا، وKAGRA في اليابان، قدرتها العالية، حيث تمكنت من اكتشاف حوالي 400 حدث منذ بدايتها قبل نحو أحد عشر عاماً. ومع ذلك، تعاني هذه المراصد من قيود ناتجة عن المسافة التي يمكنها رصدها، والتي تحدد أيضاً المدة الزمنية، حيث يمكن لهذه المراصد أن تكتشف الأحداث التي تعود إلى حوالي 8 مليارات سنة فقط. ورغم أن هذا يعد إنجازاً كبيراً، إلا أنه غير كافٍ لالتقاط بيانات حول نجوم Pop III.
وفي هذا الإطار، يدخل على الخط الوافدان الجديدان، وهما مشروع Cosmic Explorer (CE) الذي يقع في الولايات المتحدة ويعتمد تصميمه على شكل حرف L مشابه لتصميم مرصد LIGO، حيث تمتد أذرعه إلى نحو 40 كيلومتراً. بينما يأتي تلسكوب أينشتاين (ET) كمنشأة مخطط لها تحت الأرض في سردينيا، حيث يبلغ طوله 10 كيلومترات، مما يعكس التوجه نحو تحسين تقنيات الكشف عن موجات الجاذبية.
بينما يُنقَل إن هذه المراصد الجديدة ستتمتع بقدرات متقدمة، فإن فهم كيفية ظهور الثقوب السوداء في بدايات الكون يمثل تحدياً. ذلك لأن موجات الجاذبية التي انطلقت قبل حوالي 14 مليار سنة ستتوسع عبر الكون، مما يؤدي إلى تمددها بحوالي 19 مرة بحلول الوقت الذي تصل فيه إلى الأرض. وهذا التمدد يصعب عملية التعرف على الخصائص الأصلية للثقوب السوداء، إذ ستظهر على أنها أكبر بكثير مما كانت عليه في تنسيقاتها الأصلية.
حاولت الأبحاث السابقة فهم مدى فعاليات هذه الكاشفات الجديدة في رصد الاندماجات القديمة من خلال نموذج رياضي يُعرف بمصفوفات فيشر. ومع ذلك، تأتي الورقة الجديدة التي أصدرتها جامعة برمنغهام بمقاربة جديدة تعتمد على إنشاء نموذج محاكي لنوع من نجوم Pop III، استخدم محاكاة حاسوبية متطورة لاختبار فعالية كل من ET وCE في رصد خصائص الاندماجات التي حدثت منذ أكثر من 13.54 مليار سنة.
تعتمد هذه الدراسة على تحليل الترددات. فقد صمم الباحثون نموذجين مختلفين للكاشفات، الأول يركز على قياس الاهتزازات عند 10 هرتز، بينما الثاني يعد أكثر تعقيداً، حيث يصل إلى 5 هرتز. ويمثل هذا الفرق في الترددات أهمية كبيرة في عالم موجات الجاذبية. فتمكن الكاشف الذي يعمل عند 10 هرتز من مجموعة محدودة من البيانات المتعلقة باللحظات الأخيرة فقط من دوامات الثقوب السوداء المتداخلة. بالمقابل، يوفر كاشف بتردد 5 هرتز فرصة أكبر لرؤية مراحل سابقة من الاندماجات، مما يتيح للعلماء فهم خصائص هذه الظواهر بشكل أفضل ويحد من اختلاطها مع الثقوب السوداء القريبة.
أحد الجوانب الإيجابية الأخرى لهذه المحاكاة هو قدرة الكاشفات الجديدة على قياس الكتلة الفيزيائية لهذه الثقوب السوداء القديمة بدقة تصل إلى حوالي 12٪ من وزنها الفعلي. هذه الميزة ستكون ذات قيمة كبيرة خلال النقاشات العلمية حول الأسباب الكامنة وراء وجود الثقوب السوداء الضخمة في بدايات الكون. سيساعد قياس أوزانها الدقيقة العلماء على فهم كيفية تطورها بهذه الطريقة، أو ما إذا كان هناك أي انحياز في القياسات المتاحة.
أيضاً تتيح الكاشفات الجديدة تحديد موقع هذه الاندماجات ضمن نطاق حوالي 60 درجة مربعة، مما يجعل من الممكن التعرف على 60٪ من الحالات. يجمع هذا بين مصادر بيانات متنوعة، بما في ذلك المعلومات من المراصد الراديوية مثل مصفوفة الكيلومتر المربع (SKA)، مما يساعد العلماء على الربط بين الثقوب السوداء والظواهر الكونية الأخرى مثل تدفق الهيدروجين المحايد عبر الكون.
تجدر الإشارة إلى أن كل هذا البحث يعتمد على تطورات مستقبلية في مجال التكنولوجيا، إذ تعتمد النتائج المحتملة على نجاح إنشاء كاشفين لم يتم بناؤهما بعد في مناطق مختلفة من العالم، مما يطرح تحديات هندسية لم يتم التغلب عليها بعد. ولكن إذا تم ذلك، فقد نقترب من تحقيق رؤية واضحة للنجوم التي ساهمت في إضاءة الكون، مما يفتح لنا نافذة على ما يمكن أن يصبح جزءاً من فهمنا للكون.
