العلماء مفتونون بنتيجة مفاجئة في البحث عن المادة المظلمة
المادة المظلمة هي مادة غير مرئية تشكل حوالي 85% من كتلة الكون، وقد انتظر الفيزيائيون لعقود عديدة لمعرفة ما تتكون منه. مؤخرًا، حققت منشأة بحثية تحت الأرض في داكوتا الجنوبية، تقع على عمق ميل تقريبًا، اكتشافًا مثيرًا بعد تسجيل تفاعل واحد بين الجسيمات دون الذرية، وهو ما لم يكن متوقعًا من المادة العادية.
يطرح هذا الاكتشاف سؤالًا محوريًا: هل تم اكتشاف جسيم المادة المظلمة أخيرًا؟ رغم أنه من السابق لأوانه تأكيد ذلك، إلا أن هذا الشذوذ ينال بالتأكيد انتباه الباحثين في مجال المادة المظلمة.
تم الكشف عن هذه الظاهرة في منشأة سانفورد للأبحاث تحت الأرض، المعروفة اختصارًا بـ SURF، وهي منجم ذهب سابق يحوي الآن أكثر الكواشف حساسية في العالم للمادة المظلمة. منذ عام 2021، تسجل تجربة LUX-ZEPLIN الضوء في خزان يحتوي على 10 أطنان من الزينون السائل النقي. يمكن أن تحدث ومضات الضوء تلك عندما تصطدم الجسيمات الضخمة ذات التفاعل الضعيف (WIMPs) بذرات الزينون. يقود تحليل النتائج فريق يتكون من 250 عالمًا ومهندسًا من 39 مؤسسة، تحت إشراف مختبر لورانس بيركلي الوطني التابع لوزارة الطاقة الأمريكية.
في الآونة الأخيرة، قام الباحثون بمراجعة بيانات استمر جمعها على مدار 220 يومًا من مارس 2023 حتى أبريل 2024. كان التحليل السابق يركز على الأحداث الضعيفة من التفاعلات الممكنة لويمبس، لكن التحليل الجديد وسع نطاق البحث ليشمل تفاعلات أكثر وضوحًا. من بين الأحداث، ظهرت إشارة تعرض طيفًا طاقويًا قلل من إمكانية تفسيره عبر الإشارات الخلفية المعروفة المتعلقة بالمادة العادية.
وصرح ريك جايتسكيل، الأستاذ في جامعة براون والمتحدث الرسمي باسم LUX-ZEPLIN، أن رؤية هذا الحدث في البيانات بين المناطق التي نتوقع ظهور المادة المظلمة فيها هي مثيرة للاهتمام، خاصة وأن الإشارات الأخرى منخفضة للغاية. أضاف أنه مع ظهور حدث واحد فقط، يجب عدم المبالغة في الاستنتاجات. حيث أن النتائج تشير إلى وجود شيء مثير للاهتمام يستحق التواصل به مع المجتمع العلمي لمزيد من المدخلات.
تم تقديم التقرير خلال محاضرة في مؤتمر الفيزياء الفلكية للجسيمات 2026 TeV في اليابان، ومن المقرر تقديمه لمراجعة النظراء في مجلة Physical Review Letters.
وفقًا لتحليل الفريق، فإن الجسيم المسؤول عن هذا الحدث الغامض قد يحمل كتلة تزيد عن 200 مرة من كتلة البروتون إذا كان فعلاً يتبع للمادة المظلمة، رغم أنه من المبكر جدًا التأكيد على هذا الافتراض. بينما كانت إشارة الأهمية للاكتشاف عند 2.6 سيغما، وهو أقل بكثير من معيار الخمس سيغما الذي يقتضيه الإعلان عن اكتشاف، تشير الإحصائيات إلى أن هناك احتمالاً بنسبة 0.5% لتفسير الحدث بارتباطه بتفاعلات خلفية معروفة.
من الجدير بالذكر أن كاشف LUX-ZEPLIN يستخدم غرفة أسطوانية مليئة بالزينون السائل للبحث عن المادة المظلمة، حيث تحيط بها طبقات إضافية مصممة لاكتشاف أو حجب الجسيمات الخلفية. عندما تصطدم جسيمات WIMP بذرات الزينون، تنطلق ومضات من الضوء تُكتشف عبر الكاشف.
علق دانييل أكيريب، عالم الفيزياء في مختبر المسرع الوطني SLAC وعضو فريق LUX-ZEPLIN، بأن الأمر يتطلب المزيد من الشذوذات لفهم الألغاز المحيطة بالمادة المظلمة. وأكد على أهمية التحقق من النتائج عبر مصادر أخرى مثل الأرجون السائل والتأكد من إمكانية إنتاج الجسيمات في المختبر.
تمتد أصول لغز المادة المظلمة إلى ثلاثينيات القرن العشرين، حيث أشار عالم الفلك السويسري فريتز زويكي إلى أن الكتلة الإجمالية للمجرات الموجودة في رفقة كوما يجب أن تكون أكبر بكثير مما يمكن أن يمثله الضوء المرئي فقط. في السبعينيات، أكدت عالمة الفلك الأمريكية فيرا روبين أن مشكلة “الكتلة المفقودة” لا تقتصر على مجرة واحدة. بناءً على هذه النتائج، خلص علماء الفيزياء الفلكية إلى أن الكتلة المفقودة تتكون من مادة غير مرئية.
تعتبر الجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل (WIMPs) من المشتبه بهم الرئيسيين في لغز المادة المظلمة، ورغم أن العلماء اقترحوا سابقًا وجود مواد عادية مثل الكواكب المارقة، إلا أنهم لم يعثروا على ما يكفي منها لتفسير وفرة المادة المظلمة. تشمل الخيارات الأخرى للاكتشافات نظرية الجسيمات المتفاعلة بشكل قوي (SIMP) وأيضًا المحاور، وهي نوع نظري من الجسيمات دون الذرية الخفيفة.
تواصل مشاريع متعددة أخرى، مثل مشروع XENON في مختبر غران ساسو الوطني بإيطاليا ومختبر جينبينج تحت الأرض في الصين، البحث عن إشارات المادة المظلمة. وتظهر التقديرات الحالية أن المادة العادية تمثل حوالي 5% فقط من محتوى طاقة الكون، بينما تشكل المادة المظلمة حوالي 27% من المجموع، مع 68% المتبقية تُعزى إلى الطاقة المظلمة، التي تعتقد أنها تدفع التوسع المتسارع للكون. يتوقع أن يلقي تلسكوب نانسي جريس رومان الفضائي التابع لناسا، الذي تم إطلاقه حديثًا، الضوء على طبيعة الطاقة المظلمة والمادة المظلمة.
