
تقدم مشاهد أيام الخميس والجمعة في المسجد الأقصى المبارك شعوراً بالفرح، ونسأل الله أن تستمر هذه المشاهد وتتجذر. ومن لم يلتحق بالركب بعد، الفرصة متاحة، فلا تتردد.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: ماذا بعد؟
أرى أن الإجابة تبدأ بوقفة صادقة، نراجع فيها أنفسنا—كأفراد ومجتمع—عن ما حدث، ليس فقط في هذا العام، بل ربما يجب أن نعود لسنوات مضت.
في الجانب الفردي، أترك لكل قارئ مواجهة ذاته. أما في الجانب المجتمعي، فإن الصورة مؤلمة؛ فقد مرّ أربعون يوماً على إغلاق الأقصى، دون أن نشهد تحركاً يذكر على أي مستوى. ما شهدناه كان انتفاضةً افتراضية تُمارس عبر الشاشات، ووقعت أحداثها على منصات التواصل الاجتماعي، بينما بقي الواقع شبه خالٍ، باستثناء مجموعة من الشباب الذين رابطوا عند أقرب نقطة من المسجد.
وبالعودة السريعة إلى الماضي، نجد أنه لم يمضِ إلا تسعة أعوام منذ هبة البوابات الإلكترونية، حيث انتقلنا من حالة إلى حالة نقيضة. في أقل من عقد، تمكن الخدر من مجتمع بأسره.
لست هنا لأمارس التنظير، بل أؤمن أن مهمة أبناء جيلي هي العمل على الأرض، وليس السجال عبر المنصات. ومع ذلك، فإن هذه الكلمات ليست سوى صرخة ألم خرجت من قلب مثقل بالخيبة.
في بداية هذا العام، شهدنا حراكاً شعبياً حقيقياً من الشباب ضد العنف، وكان قد يكون أعلى صوت منذ هبة الكرامة. في ذلك اليوم، كان لدي أمل كبير؛ رأيته في أعين المتطوعين، في صدقهم، وفي شغفهم للتغيير. رأيت حلمي في هذه الشرارة. وبقيت حاملاً الأمل رغم كل التحديات: رغم هيمنة جمعيات اليسار الإسرائيلي، ورغم تراجع الأحزاب العربية، ورغم تراكم سنوات من السكون. لكن ذلك الأمل لم يستمر طويلاً؛ إذ أُجهض الحراك سريعاً، بشكل علني وسري.
وبالعودة إلى سؤال “ماذا بعد؟”، فإن الإجابة بالنسبة للأحزاب العربية واضحة: الاستمرار في السعي لتحصيل “حقوقنا” عبر الكنيست، بالتعاون—وأحياناً التوسل—إلى من تلطخت أيديهم بدماء أبناء شعبنا. والبقية سيعودون لسباتهم حتى توقظهم انتخابات لجنة المتابعة القادمة.
أما لمن لا يزال في الميدان، فرغم كل ما يبعث على القلق، علينا أن نستمر. نعمل، ونغرس، ونتمسك بوصية النبي ﷺ:
“إنْ قامتِ الساعةُ وفي يدِ أحدِكُم فَسيلةٌ فإنِ استَطاعَ أن لا تَقومَ حتَّى يغرِسَها فلْيغرِسْها”.
فلعل الله يبارك في فسيلة صغيرة، ويجعل فيها مفتاحاً للخلاص.
