أبحث عن الأرض 2.0 في الأنظمة الثنائية

في حين تمكن علماء الفلك من اكتشاف آلاف الكواكب الخارجية خلال العقود الماضية، إلا أن الجائزة الكبرى لا تزال بعيدة المنال، وهي كوكب صخري له كتلة تشبه الأرض ويقع في المنطقة القابلة للسكن حول نجم مشابه للشمس. وعُزِيَ جزئياً هذا العجز إلى الجغرافيا الكونية، حيث أن حوالي نصف النجوم الشبيهة بالشمس القريبة ليست وحدها، بل إن لديها نجماً مرافقاً أو أكثر، ما يزيد من تعقيد الديناميكيات المدارية، بما في ذلك ديناميكيات أي كواكب قد تستضيفها. وقد اقترحت ورقة بحثية جديدة، متاحة كنسخة مسبقة على موقع arXiv، مهمة جديدة لوكالة ناسا تسمى “البحث عن الكواكب الخارجية الصالحة للسكن باستخدام القياسات الفلكية النسبية” (SHERA)، والتي تهدف إلى استخدام هذه الديناميكيات المعقدة للمساعدة في العثور على عوالم بحجم الأرض في أنظمة النجوم المتعددة.
تستخدم حالياً ثلاث طرق رئيسية للبحث عن الكواكب الخارجية، والتي تم تغطيتها بتفصيل في جامعة تكساس. وأيضاً من الجدير تلخيصها لتوضيح كيف تتناسب SHERA مع هذه الطرق. المهمات مثل كبلر وTESS، تستخدم تقنية العبور، حيث تراقب التغيرات الطفيفة في ضوء النجم أثناء مرور الكوكب أمامه. رغم أن هذه التقنية حققت نجاحاً ملحوظاً، إلا أن فعاليتها تعتمد على الحظ، حيث يجب أن يتطابق مدار الكوكب مع موقع الأرض.
أما الطريقة الثانية، الممارسة بواسطة العديد من أجهزة قياس الطيف الأرضي، فهي قياسات السرعة الشعاعية (RV). تقيس هذه التقنية “التذبذبات” في النجم الناتجة عن دوران الكوكب حوله. لكن الكوكب المشابه للأرض الذي يدور حول نجم شبيه بالشمس من مسافة وحدة فلكية واحدة (AU) سيؤدي لتحريك نجمه بمقدار 9 سم/ثانية فقط، بينما الحد الأقصى لمجموعة أدواتنا الحالية يصل إلى حوالي 50 سم/ثانية بسبب النشاط السطحي للنجم، مما يجعل هذه التقنية صعبة الاستخدام في البحث عن نظير الأرض.
تبقى الخيار الثالث وهو القياس الفلكي، حيث تقيس هذه التقنية الموقع الدقيق للنجوم مقارنةً بمجموعة من النجوم الخلفية. ومع ذلك، واجه العلماء مشاكل تتعلق بالحساسية. ففي حالة توأم للأرض يدور حول نجم شبيه بالشمس على مسافة 33 سنة ضوئية، سيظهر “التذبذب” الذي يحدثه الكوكب كحركة حوالي 0.3 ميكروثانية قوسية (uas). تتمتع مهمتنا القياسية في القياسات الفلكية – GAIA – بدقة تقدر بحوالي 100 UAS، وهي عدة مرات أعلى مما هو مطلوب لاكتشاف هذا النوع من الكواكب.
تتناول SHERA أساليب جديدة مشابهة لتلك المستخدمة في GAIA عبر التركيز على أزواج ثنائية متألقة ولكنها مفصولة بشكل قريب. وبما أن الثنائيات مرتبطة ببعضها البعض جاذبية، فإنها تعمل كنقاط مرجعية متحركة والتي تسهل قياس المسافة بدقة. يؤدي ذلك إلى تقليل الأخطاء الناتجة عن الخلفيات المختلفة في الصورة المرصودة ويمحو التغيرات غير المرغوب فيها التي قد تؤثر على البيانات.
لكن في حال كان أحد النجوم المشابهة للشمس في النظام الثنائي يحتوي على كوكب خارجي، فقد يتسبب هذا الكوكب في تغيير دوري في الانفصال النسبي بين النجوم. وهذا هو بالضبط ما تم تصميم SHERA لاكتشافه، لكن هذه المهمة تتطلب تكنولوجيا متقدمة للغاية.
ولتلبية مستوى الدقة المطلوب، تستخدم SHERA ما يُعرف بالحدقة الحيادية. يتم تصنيع هذا باستخدام عملية الطباعة الحجرية ذات الشعاع الإلكتروني لطباعة نمط طور معقد على مرآة تلسكوب فضائي قطره 22 سم. ويحقق هذا النمط ثلاثة أهداف رئيسية: يعمل كمسطرة بصرية، يقيس كيفية تغير التشوهات البصرية للنجوم بمرور الوقت، ويقوم بتوزيع ضوء النجوم على وحدات بكسل متعددة بنمط معروف، مما يساعد على إزالة العيوب المجهرية في الكاشف. كما يقضي على تأثير النشاط النجمي الذي قد يعكر صفو الإشارة المتوقعة من الكواكب.
تمكن فريق SHERA من إيجاد قائمة تضم 7 أنظمة ثنائية قريبة تقع ضمن 17 فرسخاً فلكياً من الأرض. ويرتقب أن تحقق المهمة ثلاثة أهداف علمية أساسية، أولها البحث عن كواكب ذات كتلة صغيرة حول أقرب النجوم المستهدفة، والثاني هو اختبار ما إذا كانت الثنائيات القريبة تمنع تشكل الكواكب على مسافات حرارة معينة، والثالث هو توفير سياق إضافي لبيانات السرعة الشعاعية الأرضية.
استناداً إلى معدلات الكشف المتاحة، من المتوقع أن تعثر المهمة على حوالي أربعة كواكب صغيرة صالحة للحياة عبر النجوم المستهدفة. والأهم من ذلك، أن العثور على كوكبين فقط سيكون له دلالات، حيث سيوضح أن معدلات ظهور الكواكب في المناطق القابلة للسكن حول الثنائيات أقل بكثير مما هو متوقع نحو النجوم المنفردة.
على نحو مثير للاهتمام، تم تصنيف 13 من أصل 14 نجماً من قائمة أهداف SHERA كأهداف رئيسية لمشروع مرصد العوالم الصالحة للسكن (HWO). وبما أن هذا المرصد الكبير يمكن أن يستغرق وقتاً طويلاً للبحث عن كواكب، فإن SHERA، التي تم تصميمها كمهمة من NASA Small Explorer (SMEX)بتكلفة معقولة، يمكن أن تقلل الوقت اللازم للبحث عن الكواكب حول تلك النجوم بنسبة تصل إلى 40%.
للتوضيح، لا توجد خطط حالياً لاعتماد SHERA كأداء رسمي. تسعى HWO لإطلاق المرصد في أواخر العقد الحالي، أو ربما في أوائل الأربعينيات من القرن القادم. ومع أن هناك إمكانية لدعم المهمة من القطاع الخاص بسبب تكاليفها المنخفضة، فلن يتضح ما إذا كنا سنرى SHERA تعمل في الفضاء في أي وقت قريب.
