
تعتبر المرجعية الدينية التوراتية جوهرًا أساسيًا لممارسات العنف والإبادة والتطهير العرقي، ليس فقط في “إسرائيل” وإنما أيضًا في الولايات المتحدة، التي تأسست على أنقاض عشرات الملايين من السكان الأصليين الذين عُرفوا باسم الهنود الحمر.
ولدت الحركة الصهيونية من صلب النظام الاستعماري العالمي، وتغذت على دعم هذه القوى، حيث رعت بريطانيا المشروع الصهيوني الاستعماري في فلسطين، وساهمت في إقامة ما يُعرف اليوم بدولة “إسرائيل” على أنقاض الشعب الفلسطيني. وقد ادعى المشروع الصهيوني بشكل متكرر الحق التاريخي لـ”إسرائيل” في فلسطين، ولا تزال الدولة تُظهر عدوانها على شعوب المنطقة بأسرها بعد سبعين عامًا من تأسيسها.
وبالنسبة للعلاقة القوية بين “إسرائيل” والولايات المتحدة، فإنها تتشكل عبر شبكة معقدة من المصالح السياسية والاستراتيجية والاقتصادية والعسكرية. فـ”إسرائيل” تعتبر دولة وظيفية أنشئت أساسًا لخدمة المصالح الاستعمارية عمومًا، والأمريكية بشكل خاص، لأكثر من نصف قرن. وتأثير اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة كان له دور كبير في توجيه قرارات صانعي السياسة في الإدارات الأمريكية المتعاقبة لصالح “إسرائيل”، فضلًا عن تأثير ما يُعرف بالصهيونية المسيحية في تعزيز الدعم لـ”إسرائيل”. كما توجد أسباب أخرى تعمق العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مثل التشابه في تأسيس الدولتين والانطلاق من نفس المرجعية الأيديولوجية المعروفة بـ”الأيديولوجية التوراتية”. وكما هما كيانات استيطانية استعمارية تستند على مبدأ الاستيلاء على أراضي الآخرين وإبادة السكان الأصليين، فإن هذه الأيديولوجية تُعتبر المياه الراكدة التي تغذت منها جذور الدولتين.
منذ تأسيسها، تمثلت الولايات المتحدة في النموذج التوراتي، ووصفت نفسها بأنها “إسرائيل عصرها”، وهي من جهة أخرى “إسرائيل المتخيلة”. بينما تعتبر “إسرائيل” التي تقع على أرض فلسطين امتداداً لتلك “إسرائيل” المتخيلة والأسطورية القديمة.
سنقوم هنا بإجراء مقاربة تاريخية بين الكيانين، وسنستعرض أوجه الشبه بينهما في سياق الأيديولوجية التوراتية، بالإضافة إلى محاولة استشراف المستقبل الفلسطيني في ظل الهجمة العدوانية المستمرة، ليس فقط على فلسطين وإنما على شعوب المنطقة بأسرها.
الأيديولوجية التوراتية المشتركة للولايات المتحدة وإسرائيل
حوت التوراة اليهودية 39 سفرًا توثق تاريخ اليهودية المتخيلة بدءًا من سفر التكوين حتى سفر ملاخي، واستمر تأليف هذه الأسفار لأكثر من ألف عام. هذه الأسفار تعرف باختصار بـ(التناخ)، أو الكتاب الماليهودي، حيث يشير الحرف الأول (ت) “توراة” إلى الأسفار الخمسة الأولى المعروفة بأسفار موسى، والتي تشمل سفر التكوين، وخروج، واللاويين، والعدد، والتثنية. أما الحرف الثاني (ن) “نفيئيم”، فيحتوي على أسفار يشوع وصموئيل وعزرا وأيوب وإرميا.. إلخ. بينما الحرف الثالث (خاء) هو للكتب الشعرية التي كتبها الحاخامات مثل أسفار المزامير ونشيد الأنشاد. إضافة إلى التناخ، هناك كتاب التلمود الذي يتكون من أكثر من عشرين مجلدًا، والذي يشرح بتفاصيل الأسس وجوهر اليهودية، ويصف اليهود بأنهم شعب مومختار من الإله “يهوه”. التناخ عند المسيحيين يُعتبر العهد القديم، بينما الأناجيل الأربعة تمثل العهد الجديد.
إن التناخ كما يحتوي على نصوص لا تقل أهمية عن الأناجيل المسيحية، يشكل ما يُعرف بـ”الأيديولوجيا التوراتية”، وهي الإطار الذي استُمدت منه العديد من الممارسات والفظائع التي ارتكبتها الجماعات الاستيطانية في الأمريكتين. ويمكن تلخيص هذه الأيديولوجيا التوراتية بالنقاط التالية:
1- أرض الميعاد
أرض الميعاد التي مَنحها “الإله يهوه” إلى اليهود وفقًا للمزاعم التوراتية. يبدأ هذا الوعد في سفر التكوين من الله الذي قال لإبراهيم:
«أُعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك، كل أرض كنعان ملكًا أبديًا. وأكون إلههم» (التكوين 17: 8)
تتوالى تأكيدات هذا الوعد لابنه إسحق، ومن ثم ليعقوب، حيث يؤكد الله ليعقوب:
«الأرض التي أنت مضطجع عليها أعطيها لك ولنسلك» (التكوين 28: 13)
يستمر الوعد الإلهي بالتأكيد في أسفار التوراة المختلفة. بعد خروج القبائل اليهودية من مصر، يعيد “يهوه” تأكيد هذا الوعد لموسى:
«إني قد رأيت مذلة شعبي الذي في مصر وسمعت صراخهم… علمت أوجاعهم، فنزلت لأنقذهم من أيدي المصريين، وأصعدهم من تلك الأرض إلى أرض جيدة وواسعة، إلى أرض تفيض لبنًا وعسلًا، إلى مكان الكنعانيين والحثيين والأموريين والفريزيين والحويين واليبوسيين» (الخروج 3: 7–8)
يتم تكرار هذا الوعد لموسى مرات متعددة:
«اذهب اصعد من هنا أنت والشعب الذي أصعدته من أرض مصر إلى الأرض التي حلفت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب قائلًا: لنسلك أعطيها» (الخروج 33: 1)
إذن، الأساس الأول لهذه الأيديولوجيا هو الأرض الموعودة التي وعد الرب “يهوه” بها قبائل “بني إسرائيل” بالاستحواذ على أرض كنعان.
2- شعب الله المختار
أما الأساس الثاني لهذه الأيديولوجيا فهي صفة “الشعب المختار” لليهود باعتبارهم شعبًا مًا، وتوجد نصوص توراتية تؤكد قداسة الجماعة اليهودية دون باقي الشعوب:
«أنا الرب الذي يكم» (اللاويين 20: 8)
«أنتم تكونون لي قديسين» (اللاويين 20: 26)
«لأنك أنت شعب مللرب إلهك. إياك قد اختار الرب إلهك لتكون له شعبًا أخص من جميع الشعوب على وجه الأرض» (التثنية 7: 6)
من هذا الفهم، تبدو القداسة والاختيار علامة مميزة تجعل “إسرائيل” مة.
3- لعنة كنعان
في الوقت الذي يعتبر اليهود شعبًا مًا، فإن ذلك يعني أن بقية الشعوب ملعونة. وقد كرست النصوص التوراتية جزءًا من التعاليم التي تزرع اللعنة على الشعب الكنعاني. ويرجع سبب هذه اللعنة إلى حادثة كما توضحها النصوص التوراتية التي تتناول نوح أثناء الطوفان، حيث عندما أبصر حام عورة والده، وطأطأ رأسه للوراء لأنه لم ير عورته:
«ملعون كنعان! عبد العبيد يكون لإخوته» (التكوين 9: 22–27)
4- رب الجنود والدعوة لإبادة الشعوب
تحتوي النصوص التوراتية على روايات مخيفة حول الحروب والإبادة الجماعية التي نفذها الشعب المختار بأمر من الإله “يهوه”، المعروف بلقب “رب الجنود”، والذي يُصوّر بأنه إله الحرب. وهكذا يتحدث سفر الخروج عن الله كونه إلهًا للحرب ويرشد القبائل إلى القتال:
«يسمع الشعوب فيرتعدون… بعظمة ذراعك يصمتون كالحجر» (الخروج 15: 14–17)
المزيد من التحريض يأتي كالتالي:
«فإني أطرد الأمم من قدامك وأوسع تخومك» (الخروج 34: 24)
يدعو الإله كذلك للتهيئة لحروب الإبادة:
«ستطردون سكان الأرض من أمامكم وتمحون تصاويرهم» (العدد 33: 51–53)
إذن، هناك دعوات للإبادة والطرد الكامل:
«أما مدن هؤلاء الشعوب فلا تستبقِ منها نسمة ما» (التثنية 20: 16)
وبعد الإبادة، يحثهم الإله على:
«وتمحون اسمهم» (التثنية 12: 3)
لتأكيد على أنه لا ينبغي لهم أن يسكنوا في الأراضي الموعودة.
5- سفر يشوع نموذجًا
أما الأساس الخامس لهذه الأيديولوجيا، فيتعلق بسفر يشوع الذي يسرد المذابح والإبادات الأسطورية التي ارتكبت بحق المدن الكنعانية بتأييد من الإله “يهوه”، حيث يروي كيفية حصار مدينة أريحا واختراقها وإبادة سكانها:
«وحرموا كل ما في المدينة… بحد السيف» (يشوع 6: 21)
لم ينجُ من هذه المجزرة سوى “راحاب” التي كانت قد أخفت جواسيس يشوع، لكن الرب لم يكتفِ بذلك بل استمر في تحريض يشوع للقيام بمزيد من الحروب:
«خذ معك جميع رجال الحرب، وقم اصعد إلى عاي» (يشوع 8: 1–2)
تصور النصوص كيفية تنفيذ المجازر ضد المدن الكنعانية، وتستمر أسفار التوراة الأخرى في تكرار نفس الأنماط الإبادية بدعم من الإله المرتبطة بتلك الأيديولوجيا.
هذه هي الأسس الخمسة للأيديولوجيا التوراتية، والتي تعكس الإطار الفكري الذي تمثله القوى الاستعمارية البيض في الأمريكيتين، خاصة في الولايات المتحدة، وكذلك ما تجسدّه الحركة الصهيونية في سعيها لإنشاء الدولة المزعومة وفقًا لمبادئ التوراة.
