
لم تكن انتفاضة الوالأقصى في عام 2000 مجرد مواجهة في ساحات الوالضفة وغزة؛ بل إن الداخل الفلسطيني كان له دور بارز في الأيام الأولى، حيث دفع ثمنًا باهظًا باستشهاد 13 شابًا من أبنائه. وكانت تلك الهبّة الجماهيرية لحظة تجلت فيها قدرة المجتمع العربي في الداخل على الحشد والتحرك عندما يتصل الأمر بقضيته الوطنية.
ومع ذلك، شهدت السنوات التي تلت الانتفاضة تحولات عميقة في المجتمع، كان من أبرزها زيادة معدلات الجريمة والعنف وانتشار السلاح والجريمة المنظمة. فالجريمة، بطبيعتها، لم تبدأ في عام 2000، ولا يمكن اختصار أسبابها في عامل واحد، لكن تزامن تصاعدها مع مرحلة ما بعد الانتفاضة يطرح سؤالًا يحتاج إلى التمعن: هل كان تفريغ المجتمع من الداخل جزءًا من سياسة أوسع لإضعاف قدرته على الحشد والمواجهة؟
يرى كثيرون أن المؤسسات الإسرائيلية أدركت، بعد أحداث الانتفاضة، أن المجتمع العربي في الداخل يمتلك قدرة على إنشاء فعل جماهيري واسع، وأن إضعاف هذا المجتمع لا يقتصر على المواجهة المباشرة، بل يمكن أن يتحقق أيضًا عن طريق ترك أزماته الداخلية تتفاقم. ومن هنا، فإن تجاهل انتشار الجريمة المنظمة والسلاح، وعدم التعامل معه بجدية، يمكن أن يُعتبر عاملاً في إحداث انقسامات داخل المجتمع، واستنزاف طاقاته، وإشغاله بصراعات داخلية يتحمل هو عواقبها.
لكن هذا لا يعني أن الجريمة نتجت عن عامل واحد فقط، أو أن المجتمع بلا مسؤولية في مواجهتها؛ فهناك أسباب اجتماعية واقتصادية وثقافية متشابكة، إضافة إلى مسؤولية فردية وجماعية لا يمكن تجاهلها. لذا، فإن فهم الجريمة يستدعي أيضًا النظر في البيئة السياسية والاقتصادية التي سمحت لها بالانتشار والتغلغل.
وفي الفترة ذاتها، بدأت الجريمة تسلك مسارًا أكثر خطورة داخل المجتمع العربي. ومع مرور الوقت، تطورت لتشمل القتل والثأر وإطلاق النار والابتزاز بالإضافة إلى زيادة الجريمة المنظمة.
أصبح السلاح أحد أخطر عناصر الأزمة؛ إذ يحول الكثير من الخلافات إلى مواجهات دامية. ولا شك أن المؤسسات الإسرائيلية تتحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية عن هذا الواقع، من خلال تجاهلها لانتشار الجريمة والعنف في البلدات العربية، بل وأحيانًا تغذيته، وبتكتمها على مصادر السلاح وتسريبه من مخازن الجيش.
مع تنامي الجريمة المنظمة، لم تعد المشكلة تتعلق فقط بخلافات فردية أو عائلية، بل أصبحت في بعض الحالات مرتبطة بشبكات ومصالح اقتصادية تستفيد من الخوف والصمت والحاجة. كما تتداخل معها عوامل اقتصادية واجتماعية، مثل الديون والضغوط المالية، وما قد تسببه بعض القروض من أعباء واستغلال وابتزاز.
أيضًا، فإن سياسات الإفقار والتهميش وغياب الفرص الاقتصادية أمام فئات من الشباب قد تجعل بعضهم أكثر عرضة للاجتذاب إلى عالم الجريمة، بحثًا عن المال أو الربح السريع، خاصة عندما تُعرض الجريمة المنظمة كطريق مختصر إلى المال والنفوذ.
لذلك، فإن مواجهة الجريمة تتطلب خطة اقتصادية واجتماعية موازية، لا تكتفي بمعالجة نتائج الفقر، بل تسعى أيضاً إلى مواجهة أسبابه وآثاره؛ من خلال دعم المشاريع الصغيرة، خلق فرص العمل، وتعزيز التعليم والتدريب المهني، ونشر الوعي المالي، ومكافحة الاستغلال الاقتصادي والقروض الربوية، وتوفير بدائل مشروعة للشباب الذين قد تغريهم الأموال السريعة.
فمواجهة الجريمة لا تتم فقط بإقناع الشاب برفض الجريمة، بل يتعيّن علينا أيضًا توفير طريق آخر يستطيع أن يرى فيه مستقبله وكرامته ودخله بعيدًا عن شبكات الجريمة والاستغلال. عندما يغيب العمل وتضيق الفرص وتتكاثر الديون، تصبح الحاجة إلى المال مدخلاً يمكن أن تستغله شبكات الجريمة في استقطاب الشباب.
ولا تقتصر آثار الجريمة على عدد الضحايا، بل تمتد إلى بنية المجتمع ذاته؛ فهي تزرع الخوف وتعميق الانقسامات بين العائلات، وتؤثر في الأطفال والشباب، وتستنزف طاقات المجتمع. وكلما اتسعت دائرة العنف، أصبح المجتمع أكثر انشغالًا بجراحه الداخلية وأقل قدرة على توجيه طاقاته نحو التعليم والبناء وحماية مستقبله.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لمجتمع ليس فقط أن يفقد أبناءه بسبب الجريمة، بل أن يفقد تدريجيًا قدرته على الفعل الجماعي، وأن ينشغل بنزيفه الداخلي حتى يصبح هذا النزيف أمرًا اعتياديًا.
ومن هنا، فمواجهة الجريمة ليست قضية أمنية فحسب لحفظ الدماء والأرواح، بل هي قضية وعي وحصانة مجتمعية، واقتصاد مستدام، وقدرة على توفير البدائل. فالوعي هو خط الدفاع الأول، ويجب أن يتجاوز التحذير من السلاح إلى فهم طبيعة الجريمة المنظمة، وأساليب استقطاب الشباب، وخطورة الابتزاز والثأر والاستغلال المالي.
وضمن مجهودات المجتمع العربي لمواجهة هذه الظاهرة، تم القيام بالعديد من حملات التوعية والمحاضرات واللقاءات المجتمعية، إلى جانب المظاهرات والاعتصامات والإضرابات ومسيرات السيارات، فضلاً عن تنظيم الفعاليات الشعبية ونصب الخيام وعقد البرامج التوعوية في البلدات العربية. وتجسد هذه التحركات تعبيرًا عن الرفض لتحويل العنف إلى واقع طبيعي، والتأكيد على أن مواجهته مسؤولية جماعية.
وكان للإصلاح المجتمعي دور مهم، من خلال لجان الصلح والإصلاح المحلية والقطرية، ورجال الإصلاح والشخصيات الاجتماعية والدينية، الذين قاموا بالتدخل لاحتواء الخلافات قبل أن تتحول إلى قتل وثأر. وفي مرحلة سابقة، كانت للجنة إفشاء السلام دورًا في هذا المجال، قبل أن يتم حظرها مؤخرًا.
تبدأ الوقاية قبل وقوع الجريمة؛ من الأسرة والمدرسة والمسجد والمؤسسات المجتمعية. فطريقة تعامل الأسرة مع الخلاف، والخطاب الذي يسمعه الأبناء، وما يُنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كلها عوامل تؤثر في تشكيل وعيهم.
وفي إحدى الحوارات التربوية بين معلم وطلابه حول العنف والقتل، طرح الطلاب زاوية تتعلق ببعض المنشورات التي تمجد الثأر والانتقام وتقدمهما كوسيلة لاستعادة الكرامة أو “أخذ الحق”. وأشاروا إلى حالات تم فيها تشجيع الأبناء على حمل السلاح لدرجة أن تحدثوا عن امرأة قامت ببيع جزء من ذهبها لشراء سلاح لابنها.
وبعيدًا عن مدى انتشار مثل هذه الحالات، فإنها تكشف عن خطر تحول الثأر من سلوك مرفوض إلى قيمة يجري تبريرها وتمجيدها. وهنا، لا يعود السلاح مجرد أداة للقتل، بل يصبح جزءًا من ثقافة تعيد إنتاج العنف داخل الأسرة وبين الأجيال.
لذا، فإن مواجهة الجريمة المنظمة تبدأ ببناء وعي مجتمعي قادر على كشف أساليبها ورفضها، وعلى حماية الشباب من الاستقطاب، ومواجهة ثقافة السلاح والثأر، وتعزيز الإصلاح والصلح والتكاتف، بالتوازي مع بناء بدائل اقتصادية واجتماعية حقيقية.
المجتمع القوي ليس ذلك الذي يخلو من الخلافات، وإنما المجتمع الذي يمتلك القدرة على إدارة خلافاته دون أن تتحول إلى عنف يهدد سلامته، ويمنح أبناءه فرصًا للحياة والعمل والإنتاج بعيدًا عن الجريمة.
إن الحصانة المجتمعية لا تُبنى بقرار واحد، وإنما تتشكل من مواقف يومية: أب يرفض أن يحمل ابنه السلاح، وأم ترفض تمجيد الثأر، ومعلم يحذر طلابه، وإمام يذكّر بحرمة الدم، ورجل إصلاح يتدخل قبل اتساع الخصومة، وعائلة تختار الصلح بدل الانتقام، وشباب يقاومون تحويل بلداتهم إلى ساحات للسلاح، ومؤسسات تعمل على توفير فرص حقيقية للشباب بدل تركهم فريسة للفقر والاستغلال.
ولا يعني استمرار هذه الجهود أن الجريمة انتهت، ولكن المحاولات لم تتوقف. فالمجتمع الذي يعاني نزيفًا داخليًا يحتاج إلى حماية نفسه من التفكك، واستعادة ثقته في قدرته على الإصلاح، ورفض أن تصبح الجريمة قدرًا مفروضًا عليه.
فالمصاب بنزيف داخلي لا يقوى على الدفاع عن ذاته، والأخطر أن يعتاد النزيف حتى لا يشعر بحجم إصابته.
لذلك، فإن مواجهة الجريمة ليست مجرد محاولة لوقف عدد القتلى، ولكنها معركة من أجل بقاء المجتمع متماسكًا وثابتًا على أرضه، وحماية أطفاله وشبابه، وبناء وعي وحصانة اجتماعية واقتصادية تمنع الجريمة المنظمة والعنف من التحول إلى ثقافة متوارثة.
