
خاص : تعمل منظومة إسرائيل في حربها على الفلسطينيين من منطق “المحو”، والذي تم الإشارة إليه في أدبيات دراسات الاستعمار الاستيطاني. لذا، فإن الإجراءات المختلفة لا تعمل في فضاء منعزل، بل ضمن شبكة منتظمة من السياسات، هدفها الأساسي هو إزالة الوجود الفلسطيني وإتاحة الأرض كاملة للمستوطنين، وهو ما يؤكده تقرير حديث أصدرته منظمة “بتسيلم” الإسرائيلية.
وقد أشار التقرير، الذي صدر تحت عنوان “مشروع المحو.. إلغاء إسرائيل للوجود الفلسطيني في الضفة الغربية”، إلى الإطار النظري الحاكم له، وهو نظرية “المحو” للمفكر المتخصص في دراسات الاستعمار الاستيطاني باتريك وولف، الذي أكد أن الاستعمار، كونه بنية وليس حدثًا يقع وينتهي، يعمل على محو السكان الأصليين بهدف إفراغ الأرض لصالح المستوطنين الذين يحملون مشروع السيطرة الكاملة والنهائية.
كما يتحقق المحو الاستعماري، كما يؤكد التقرير، من خلال دفع الشعب الأصلي بعيدًا عن الأرض، وسلب حقوقه، وهدم المباني والمؤسسات السياسية التي تعبر عن وجوده، بالتوازي مع إقامة نظام جديد يتيح للمستوطنين السيطرة الكاملة على الأرض.
ومنذ ظهور الاستعمار الصهيوني في فلسطين، تعاملت الحركة الصهيونية مع الشعب الفلسطيني باستراتيجية “الإنكار”، من خلال محاولة نفي علاقته التاريخية بالأرض، وبناء سردية تربطه بأماكن أخرى، والدعوة إلى تهجيره إلى الدول العربية والإسلامية. وقد شكل الوجود الفلسطيني، في الأدبيات الاستعمارية، عائقًا دائمًا أمام ما يُسمى تحقيق “السيادة اليهودية”.
ويؤكد التقرير، عبر رصده للإجراءات العدوانية الاستعمارية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، أن منطق العمل ليس عبارة عن عمليات عسكرية منفصلة، بل هو مجموعة من الاستراتيجيات المترابطة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا وغيرها، هدفها تهجير الفلسطينيين ومحو وجودهم.
وقد قسم محاور منظومة المحو الإسرائيلية في الضفة الغربية إلى: العنف وبث الرعب، وتقييد الحركة والتنقل، والخنق الاقتصادي، والتدمير الاجتماعي والسياسي، والتطهير العرقي والاستيلاء على الحيز.
العنف وبث الرعب
رصد التقرير تصاعد حملة العنف الوحشي الاستعماري في الضفة الغربية، الذي ترافق مع حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وأسفرت عن استشهاد نحو 1037 فلسطينيًا، بينهم 237 طفلًا و21 امرأة، حتى 30 حزيران/ يونيو 2026.
وقد شاركت القوات الإسرائيلية وميليشيات المستوطنين وقوى استعمارية أخرى في الحرب العدوانية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية خلال فترة حرب الإبادة، وسُجل تصاعد في الهجمات الاستيطانية.
ورصدت منظمة “بتسيلم” ارتفاع عمليات القصف الجوي من قبل القوات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، حيث استشهد 269 فلسطينيًا خلال الفترة المرصودة نتيجة الغارات الجوية، بينهم 45 طفلًا. وقد أدت العمليات العسكرية في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس والفارعة إلى تهجير نحو 33 ألف فلسطيني.
كما شهدت حرب الإبادة الجماعية أقسى مرحلة في تاريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية، حيث رصد التقرير استشهاد نحو 90 معتقلًا فلسطينيًا، بعد تعرضهم لمختلف أدوات التعذيب من قبل السجانين الإسرائيليين، بناءً على توجيهات حكومة إسرائيل، بما في ذلك وزارة الأمن القومي المسؤولة عن إدارة السجون، والتي يديرها إيتمار بن غفير.
وتؤكد المنظمة أن شهادات متعددة تلقتها من معتقلين أُفرج عنهم من السجون الإسرائيلية تشير إلى تعرضهم لمختلف أنواع الانتهاكات الجنسية والجسدية، وهو ما يتعارض مع التقارير الصادرة عن منظمات حقوقية محلية ودولية. كما أشارت إلى اعتقال قوات الاحتلال نحو 60 صحفيًا فلسطينيًا منذ بداية الحرب، وتعرضهم للتنكيل والانتهاكات المتعددة.
ويؤكد التقرير أن هدف العنف الاستعماري هو سلب الفلسطينيين شعور الاستقرار والأمان، وإدخالهم في حالة من الرعب الدائم، بهدف دفعهم نحو مغادرة أراضيهم والسيطرة عليها من قبل دولة الاحتلال.
وتذكر أن أوامر إطلاق النار قد تغيرت خلال هذه الفترة، حيث منحت حكومة الاحتلال الجنود صلاحيات قتل المزيد من الفلسطينيين، ويشير التقرير إلى أن الحجة الإعلامية الإسرائيلية حول أسباب العدوان كانت دائمًا مرتبطة بالمقاومة، في حين أن الواقع يؤكد أن العنف الاستعماري غير مرتبط بالرد على العمليات الفلسطينية، بل هو جزء من استراتيجية المحو الاستعماري.
ومن بين التحولات خلال حرب الإبادة، شهدنا ارتفاع التنسيق بين المستوطنين وجيش الاحتلال في جبهات العنف ضد الفلسطينيين، ويشير التقرير إلى تصريحات إليشاع يراد، أحد قيادات “فتية التلال”، حول سياسة الاحتكاك بالفلسطينيين لتنفيذ هجمات عليهم، والتي تطابقت لاحقًا مع تصريحات قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال، آفي بلوط.
تقييد حرية الحركة والتنقل
منذ بدايات السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، خاصة في الضفة الغربية، أقيمت منظومة من الحواجز العسكرية والبوابات، بهدف إحكام التحكم بحياة الفلسطينيين وتقييد حريتهم.
ويشير تقرير “بتسيلم” استنادًا إلى منظمات دولية، إلى أن جيش الاحتلال أقام منذ بداية حرب الإبادة الجماعية نحو 200 حاجز وبوابة جديدة، إلى جانب العديد من العوائق السابقة، ليصل عدد الحواجز إلى نحو 925 حاجزًا بمختلف الأشكال حتى نهاية 2025.
ويعدد التقرير الخلفيات التاريخية للحواجز الفاصلة بين المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية، وكذلك بين الوالداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، ويشير إلى العوائق الناتجة عن هذا النظام الاستعماري على الاقتصاد والحركة والتنقل. ولا تتوقف معاناة الفلسطينيين عند الحواجز، بل يتعرضون أيضًا لعنف وحشي من قبل الجنود الإسرائيليين، كما أكدت عدة شهادات منذ بداية الحرب.
ويشير إلى أن أكثر من 140 ألف عامل فقدوا مصادر رزقهم بسبب الحرب، وقد تسببت القيود الاقتصادية الاستعمارية في المناطق المصنفة “ج” خلال الفترة بين 2000 و2022 في خسائر سنوية تقدر بنحو 25.3% من الناتج المحلي الإجمالي، وخسارة تراكمية تصل إلى نحو 50 مليار دولار.
ومع وقف تصاريح آلاف العمال بعد بدء حرب الإبادة الجماعية، ارتفعت نسبة البطالة في الضفة الغربية إلى 31.3% في 2024، واستقرت عند 28.7% خلال 2025، وفقًا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
ونقل التقرير تقديرات “أوتشا” التي أفادت بأن 700 ألف فلسطيني في الضفة الغربية احتاجوا إلى مساعدات لشراء الغذاء خلال 2024، بزيادة قدرها 17% عن العام السابق، فيما زادت من صعوبة الحياة سياسات إسرائيل في تدمير الأراضي الزراعية واقتلاع الأشجار ومنع الوصول إلى الحقول.
الخنق الاقتصادي
عملت الإدارة الاستعمارية الإسرائيلية، منذ بدايات السيطرة، على تشكيل نظام اقتصادي يفرض على الفلسطينيين الارتهان للاقتصاد الإسرائيلي، مما يمنعهم من بناء اقتصاد مستقل يمكنهم من تنفيذ برنامجهم السياسي التحرري دون ابتزاز أو ضغط اقتصادي.
وتستخدم القوات الإسرائيلية سياسات التحكم الاقتصادي للضغط على الفلسطينيين نحو التهجير، بغرض تحقيق هدف “المحو الاستعماري” للسيطرة على أراضيهم، بعد تدمير حياتهم وتركهم في حالة من الفقر المدقع.
ويعدد تقرير “بتسيلم” مجموعة من السياسات الاقتصادية الإسرائيلية ضمن سياق سياسة الخنق الاقتصادي، ويشير إلى دور اتفاقية باريس في منح إسرائيل السيطرة على الاقتصاد الفلسطيني.
ويؤكد التقرير أن إسرائيل اتجهت خلال حرب الإبادة الجماعية نحو الخنق الاقتصادي الشامل للفلسطينيين، عبر السياسات التي وضعها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، والتي تضمنت سرقة أموال المقاصة الفلسطينية بهدف منع دفع رواتب الموظفين، وتسريع انهيار السلطة، بالإضافة إلى الضغط على النظام البنكي ووقف تصاريح العمل وقتل عدد من العمال المتوجهين إلى الداخل.
التدمير الاجتماعي والسياسي
تعتبر الهجمات على التنظيمات والمؤسسات الاجتماعية والسياسية من أخطر الأدوات المستخدمة لتحقيق محو الفلسطينيين في الضفة الغربية، كما يؤكد التقرير، مشيرًا إلى المنظومة التاريخية الاستعمارية التي استخدمت قوانين، بعضها متوارث من الاحتلال البريطاني، وغير ذلك من القوى الحاكمة في المنطقة، لملاحقة العمل الاجتماعي والسياسي الفلسطيني، حتى لو كانت المؤسسات خيرية.
ويذكر أمثلة على التطورات في استهداف القوى الاجتماعية والسياسية الفلسطينية، كما في إعلان وزير جيش الاحتلال السابق أفيغدور ليبرمان في عام 2016 عن إعلان “الحراك الشبابي الفلسطيني” منظمة محظورة.
وقد صعدت قوات الاحتلال من استهداف المؤسسات الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة، واقتحمت مقرات العديد منها، وأصدرت أوامر إغلاق لها. وخلال حرب الإبادة الجماعية، انتقلت إلى مرحلة أعلى في الهجوم على الجمعيات والمنظمات الفلسطينية، بما في ذلك تلك المعنية بحقوق الأطفال والمرأة، حيث نكلت بالعاملين فيها ومنعت بعضهم من السفر واعتقلت آخرين.
ويشير التقرير إلى الحرب على الثقافة والعادات والتقاليد الدينية للفلسطينيين، بما في ذلك إغلاق الأندية والمؤسسات واعتقال العاملين فيها، وإغلاق المسجد الأقصى ومنع مئات الآلاف من المصلين من الوصول إليه، بالتزامن مع حرق المستوطنين للمساجد في الضفة الغربية، بالإضافة إلى الهجوم على المدارس والمعاهد التعليمية، خاصة التابعة لوكالة “الأونروا”، وإغلاق عدد منها، واقتحامها واعتقال عدد كبير من الطلاب في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال فترة الحرب.
التطهير العرقي والاستيلاء على الحيز
يرصد التقرير أبرز أداة في برنامج “المحو الاستعماري” للفلسطينيين في الضفة الغربية، وهي سرقة الأراضي وإقامة المستعمرات عليها، حيث شهدت هذه العملية زيادة كبيرة في الأعداد والنطاق خلال حرب الإبادة الجماعية.
ويشير التقرير إلى أن دولة الاحتلال قد سرقت منذ عام 1967 نحو مليوني دونم من أراضي الضفة الغربية، مستخدمةً قوانين مختلفة، مثل “إعلان أراضي دولة”، ومناطق إطلاق نار، ومحميات طبيعية، واعتبارات أثرية.
كما لفت إلى أن المستوطنين أقاموا خلال 2023-2025 نحو 185 بؤرة استيطانية جديدة في الضفة الغربية، بينها 130 بؤرة رعوية وزراعية، وهي نوع متزايد من المستوطنات التي تُبنى بناءً على تسهيلات قانونية من جيش الاحتلال، مما يسلب مئات آلاف الدونمات وينشئ بؤر انطلاق للاعتداءات على القرى والتجمعات الفلسطينية، مما أدى إلى تهجير نحو 64 تجمعًا بدويًا فلسطينيًا بشكل كامل و18 جزئيًا خلال حرب الإبادة.
كما رصدت المنظمة نحو 1800 عملية اعتداء من قبل المستوطنين خلال 2025، وأشارت إلى استشهاد عدد من الفلسطينيين برصاص المستوطنين وجيش الاحتلال في بلدة تل قرب نابلس.
وفي سياق سياسات التهجير والمحو، هدمت قوات الاحتلال 3467 مبنى في الضفة الغربية والالمحتلتين منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بما في ذلك المباني السكنية وغير السكنية مثل الأسوار وآبار المياه والمخازن والمنشآت الزراعية والتجارية، مما أدى إلى تشريد 4285 شخصًا منهم 2083 طفلًا.
“المحو” كمنظومة
تشدد المنظمة على المنطق التفسيري في تقريرها، وهو أن “المحو” لا يمثل جريمة واحدة، بل هو مجموعة من الأفعال والسياسات الاستعمارية تعمل في سياق موحد، يهدف إلى دفع الفلسطينيين نحو التهجير واقتلاعهم من أرضهم بوسائل متعددة.
وتؤكد أن جوهر “مشروع المحو” يتركز في إعادة تنظيم الحيز وشروط الحياة بحيث يصبح الوجود اليهودي أكثر ترابطًا وتوطيدًا، بينما يتم جعل الوجود الفلسطيني أكثر تشتتًا وهشاشة وتبعية.
