
خاص – قبل اعتقالها، كانت آية خطيب مشغولة بمساعدة المجتمع، تجمع التبرعات للأطفال المرضى، وتساهم في توفير الأدوية، وتساند العائلات والطلاب الذين يحتاجون إلى الدعم. لم تكن تدرك أن هذا العمل سيقودها للتحقيق، ومن ثم لسنوات من الاعتقال والإبعاد والسجن المنزلي والاعتقال الفعلي، حيث بلغت مجموع مدته 6 سنوات و3 أشهر.
خلال هذه السنوات، تغيّرت نظرتها لكثير من الأمور. الأشياء البسيطة التي كانت تبدو عادية في حياتها قبل السجن، مثل الساعة أو قطعة خبز أو ملابس الصلاة أو الجلوس مع الأسرة، أصبحت لها قيمة جديدة تمامًا.
في 6 أيار/مايو 2026، خرجت آية من السجن، بعد سنوات من القيود والحرمان، وشهدت خلالها ما تعرضت له الأسيرات من تضييق وقسوة. عادت إلى بيتها وأطفالها، لكنها خرجت أيضًا وهي تحمل معها تفاصيل عديدة عن الحياة خلف القضبان.
من مساعدة المحتاجين إلى السجن
قبل اعتقالها، كانت آية خطيب ناشطة في دعم المحتاجين، خصوصًا الأطفال المرضى القادمين من الضفة الغربية وقطاع غزة للعلاج في المستشفيات. كانت تستخدم صفحتها على “فيسبوك” لجمع التبرعات، وتساعد في توفير الأدوية والمستلزمات الطبية، كما ساهمت في دعم حالات اجتماعية أخرى، بما في ذلك الطلاب الجامعيين الذين عجزوا عن دفع رسومهم الدراسية.
لكن هذا النشاط الإنساني أصبح، وفقًا لائحة الاتهام، أساسًا لاتهامات وجهتها إليها السلطات الإسرائيلية، حيث زعمت أنها جمعت أموالًا لدعم “الإرهاب” وتحويلها إلى حركة حماس.
اعتُقلت خطيب في 17 شباط/فبراير 2020، وخضعت لتحقيق استمر لعدة أسابيع، ثم قُدّمت لائحة اتهام بحقها في 18 آذار/مارس من العام نفسه أمام المحكمة المركزية في حيفا. نفت التهم الموجهة إليها، وأكدت أن نشاطها كان إنسانيًا، وأن ما قامت به تمثل في جمع الأدوية والمساعدات للأطفال المرضى.
في 15 آب/أغسطس 2023، أصدرت المحكمة المركزية في حيفا حكمًا بسجنها 4 سنوات، وقد أمضت جزءًا من مدة الحكم منذ اعتقالها. وفي 18 أيلول/سبتمبر من العام نفسه، سلّمت نفسها، لتبقى في سجن الدامون حتى الإفراج عنها.
السجن… حين تصبح النعمة الصغيرة كبيرة
تقول خطيب إن السجن علّمها تقدير تفاصيل الحياة التي لا ينتبه إليها الإنسان في الظروف الطبيعية. فالساعة، مثلًا، كانت وسيلة لمعرفة أوقات الصلاة، وعندما كانت تُصادر، كانت الأسيرات يحاولن تقدير الوقت بوسائل أخرى.
حتى الملابس كانت محدودة، وبعض الألوان أو القطع لم تكن متاحة بسهولة، بينما أصبحت أشياء بسيطة كالإبرة والخيط أو الألوان ذات قيمة خاصة.
لكن أكثر ما بقي في ذاكرتها هو معنى الأسرة والدفء العائلي. فغياب الزوج والأبناء جعلها تدرك حجم النعمة التي يعيشها الإنسان خارج السجن دون أن يشعر بقيمتها.
حين يصبح الطعام امتحانًا للإنسانية
لم تكن قسوة السجن مرتبطة فقط بكمية الطعام أو نوعيته، بل بما تركته ظروف الحرمان في نفوس الأسيرات. تقول خطيب إن الأسيرات كنّ أحيانًا يأكلن دون أن يشعرن بالشبع، خوفًا من أن تكون هناك أسيرة أخرى أكثر حاجة إلى الطعام.
وأحيانًا كانت الأسيرة تنظر إلى الطعام أمامها ثم تتركه، وهي تفكر في أن غيرها قد يكون أحق به.
وخلال شهر رمضان، كانت وجبات السحور والإفطار محدودة للغاية. وكان السحور يتكوّن من كميات قليلة من الجبن أو اللبنة والمربى والخبز، فيما كان الإفطار يتكوّن من كمية محدودة من الأرز والحساء والسلطة والطحينة أو الحمص، إضافة إلى بيضة لكل أسيرة.
وفي السنوات الأخيرة، تمكنت الأسيرات من الاتفاق مع إدارة السجن على إبلاغهن بمواعيد السحور والإفطار، بعدما كانت معرفة الوقت في السابق أكثر صعوبة.
وكانت الحوامل والقاصرات من أكثر الفئات التي تحظى باهتمام الأسيرات، في محاولة لتقاسم القليل المتاح. وفي ظروف شحّ الطعام، تحوّل التضامن بين الأسيرات إلى وسيلة للبقاء، حتى إن بعضهن كنّ يتناولن الطعام دون شبع خوفًا من أن تكون هناك أسيرة أخرى أكثر حاجة إليه.
الصلاة… حين تُصادر حتى ملابس العبادة
من أكثر التفاصيل التي تستحضرها خطيب ما تعرّضت له الأسيرات في ما يتعلق بالعبادة. فقد صودرت في فترات مختلفة ملابس الصلاة، ما دفع بعض الأسيرات إلى الصلاة باستخدام البطانيات، فيما اضطرت أخريات إلى ارتداء ملابس غير مخصصة للصلاة.
وتقول إن مصادرة ملابس الصلاة لم تكن مجرد حرمان من قطعة ملابس، بل مسّت مساحة أساسية من حياتهن الدينية، ولذلك حاولت الأسيرات التمسك بصلاتهن وهويتهن رغم الظروف الصعبة.
وتؤكد أن السجن جعلها أكثر تمسكًا بدينها وهويتها، وأن الإنسان في الظروف الطبيعية قد لا يدرك قيمة بعض الأمور التي تبدو له متاحة دائمًا.
القرآن… مساحة للثبات
بدأت خطيب حفظ القرآن خلال فترة الإقامة الجبرية، وعندما دخلت السجن كان قد تبقى لها نحو 5 أجزاء لإتمام الحفظ.
في ظلّ الحرب الدائرة منذ أواخر عام 2023، وما رافقها من تشديد كبير على الأسيرات، توقفت فترة عن الحفظ، قبل أن تعود إليه بعد الهدنة في تشرين الثاني/نوفمبر، وتتمكن من إتمام حفظ القرآن الكريم كاملًا، وهي اليوم في مرحلة التثبيت.
وتشير إلى أن القرآن كان حاضرًا بقوة بين الأسيرات، وأن عددًا كبيرًا منهن كنّ حريصات على الحفظ والمراجعة. وفي بعض الغرف التي تضم نحو 9 أسيرات، لم يكن يتوفر سوى 4 مصاحف، ومع ذلك استمر الاهتمام بالحفظ والتلاوة.
وقت أثقل وقمع أشد
في ظلّ الحرب الدائرة منذ أواخر عام 2023، دخلت الحياة داخل السجون مرحلة أكثر قسوة. صودرت الأجهزة، وانقطع التواصل مع العالم الخارجي، واشتدّ التضييق على الأسيرات.
وصلت أخبار الحرب في البداية عبر التلفاز أو الإذاعة، لكن خطيب تقول إن الصورة لم تكن واضحة لديهن، ولم يدركن في البداية حجم الأحداث التي كانت تجري خارج السجن. وبعد مصادرة الأجهزة وفرض التعتيم الإعلامي، أصبح الحصول على المعلومات أكثر صعوبة.
ومع القمع والتضييق، بدا الوقت داخل السجن أثقل من المعتاد. كانت الأيام تمر ببطء شديد، فيما أصبحت التفاصيل اليومية جزءًا من معركة مستمرة للحفاظ على التوازن النفسي والإنساني.
وكانت من بين الأسيرات نساء حوامل، منهن أمينة الطويل من قلقيلية، ودانة جودة من نابلس، ومنار كراجة من رام الله، إلى جانب أسيرات مصابات بالسرطان، منهن فداء عساف وأخرى لم تكن خطيب متأكدة من الإعلان عن حالتها.
غياب العائلة
منذ إعلان الحرب في أواخر 2023، مُنع زوج خطيب وطفلاها، محمد الفاتح، 14 عامًا، وعبد الرحمن، 11 عامًا، من زيارتها.
مرّت فترة طويلة دون أن تتمكن من رؤيتهما، ولم تلتقِ بهما إلا مرتين عبر تطبيق “زوم”، بعد نحو عام ونصف من الانقطاع. جاءت إحدى المرتين خلال جلسة مرتبطة بسحب رخصتها المهنية، والأخرى خلال جلسة استئناف.
كان غياب الأسرة من أثقل ما عاشته في الأسر، خصوصًا أن حياتها قبل الاعتقال كانت مرتبطة أيضًا بخدمة الآخرين ومساعدة الأسر، إلى جانب اهتمامها بقضايا الأطفال المرضى القادمين من الضفة الغربية وقطاع غزة للعلاج.
الكتب… نافذة أُغلقت
كانت القراءة واحدة من المساحات القليلة التي تساعد الأسيرات على مواجهة الوقت الطويل داخل السجن. لكن في 19 تشرين الأول/أكتوبر 2023، صودرت جميع الكتب الموجودة لديهن. وفي كانون الأول/ديسمبر، أُعيد نحو 60 كتابًا، معظمها روايات وكتب عامة، قبل أن تُسحب الكتب مرة أخرى في 25 أيلول/سبتمبر 2024.
وبذلك لم تكن مصادرة الكتب مجرد إجراء يتعلق بالقراءة، بل كانت حرمانًا من إحدى الوسائل القليلة التي تساعد الأسيرات على كسر رتابة السجن، واستعادة شيء من العالم الخارجي.
حتى لحظة التحرر لم تكن سهلة
في 6 أيار/مايو 2026، وفي نحو الساعة 10:30 صباحًا، جاء أحد السجّانين إلى خطيب، وقيّد يديها، ثم أبلغها بكلمة واحدة: “تحرير”.
طلبت منه إزالة القيود حتى تتمكن من ترتيب أغراضها، وأرادت أن تمنح بعض ملابس الصلاة لأسيرات أخريات، لأن عددًا منهن لم تكن لديهن ملابس كافية.
خرجت من السجن مرتدية تنورة وقميص السجن. وحين طلب منها أحد الضباط خلع القميص، رفضت، مؤكدة أنها متدينة ولن تخرج بملابس تكشف ذراعيها، ولذلك احتفظت بقميص السجن.
وقبل مغادرتها، ودّعت الأسيرات وطلبت ممن ستلتقي بمحامٍ أن تنقل له ما جرى داخل السجن، حتى تصل الأخبار إلى عائلات الأسيرات.
حتى “الفورة” الأخيرة في سجن المسكوبية لم تكن لحظة راحة كاملة. فقد كانت مقيدة إلى جانب أسيرة أخرى، وكانت إحداهما تريد المشي، بينما أرادت الأخرى الجلوس، ولذلك فضّلتا عدم طلب الخروج، لأن الأمر كان في بعض الأحيان يتحول إلى عبء إضافي بدل أن يكون فسحة قصيرة.
الحرية التي أعادت تعريف الأشياء
كان استقبال الأسرة لها لحظة مختلفة تمامًا. وبعد سنوات من الحرمان، عادت إلى بيتها وإلى طفليها. وقد أرسل عبد الرحمن رسالة إليها عن طريق المحامي، قال فيها: “أمي ملك خاص لي، يمنع الاقتراب منها من أي أحد”.
بعد 6 سنوات و3 أشهر من الاعتقال والإبعاد والسجن البيتي والسجن، عادت آية إلى بيتها وأطفالها، لكن تجربتها ستبقى جزءًا من حياتها. فقد تعلّمت، كما تقول، أن الإنسان لا ينتبه إلى قيمة كثير من النعم إلا عندما يفقدها.
اليوم، عندما تتحدث عن الخبز والملح والساعة وملابس الصلاة والقرآن، فهي تتحدث عن تفاصيل صغيرة اكتسبت داخل السجن معنى كبيرًا. وتتحدث أيضًا عن الأسيرات اللواتي تركتهن خلفها، وعن أيام القمع والخوف، وعن التضامن الذي جمعهن في أصعب الظروف.
وربما كان أهم ما خرجت به من هذه السنوات هو التمسك بما تؤمن به، وعدم الانشغال بالصغائر، وتقدير ما يملكه الإنسان من نعم وعلاقات وحرية.
دخلت الأسْر وهي تحمل همَّ الآخرين، وخرجت منه وهي تحمل حكايات الأسيرات وذاكرة 6 سنوات و3 أشهر، وما زال همُّ الناس يسكن قلبها.
خرجت آية من السجن، وعادت إلى أطفالها، لكنها لم تنسَ الناس الذين كانت تساعدهم قبل الأسر، ولا الأسيرات اللواتي شاركنها سنوات السجن. وهذا ربما هو أكثر ما يختصر قصتها: امرأة دخلت السجن وهي تحمل همّ الآخرين، وخرجت منه وهي ما زالت تحمل هذا الهم.
