
بينما تعلن الدول في المجتمع الدولي بياناتها الرسمية — باستثناء الإدارة الأمريكية — بأن الحل العادل يتطلب رفض أي تغيير ديموغرافي أو جغرافي في قطاع غزة والضفة الغربية، تعكس الخريطة السياسية الإسرائيلية واقعاً مختلفاً تماماً. فقد تجاوزت فكرة تفريغ القطاع وتهجير سكانه كونها شعاراً هامشياً تطرحه أطراف من أقصى اليمين، لتصبح جزءاً من الخطاب السياسي والأمني الإسرائيلي، مدفوعة بالاقتراب من انتخابات الكنيست، وتصورا لمستقبل غزة يتجاوز الأزمات الحكومية الحالية.
تستعد إسرائيل خلال أقل من شهرين لإجراء انتخابات الكنيست بمشاركة عشرة أحزاب صهيونية رئيسية. ولكن الأهم من النتائج الانتخابية هو مضمون مواقف هذه الأحزاب تجاه مستقبل غزة والفلسطينيين. وفقا لصحيفة “يديعوت أحرونوت”، يؤيد مخطط التهجير أحزاب الائتلاف الحالي، مثل الليكود والصهيونية الدينية والأحزاب الحريدية، كما يحظى بتأييد أحزاب صهيونية في المعارضة، بما في ذلك قائمة “بياحد” برئاسة نفتالي بينيت وحزب “يسرائيل بيتينو” برئاسة أفيغدور ليبرمان، بينما يعارضه رئيس حزب “يشار”، غادي آيزنكوت، ورئيس حزب “الديمقراطيين”، يائير غولان. بحسب هذه المواقف، يؤيد المخطط ثمانية من أصل عشرة أحزاب صهيونية رئيسية، مع اختلاف واضح في التعبيرات واللغة ودرجة التأكيد على الفكرة.
هذا المعطى يجعل من التهجير مشروعاً يتجاوز كونه مجرد فكرة مرتبطة بشخصيات مثل إيتامار بن غفير أو بتسلئيل سموتريتش، بل هو مفهوم يستقطب دعماً واسعاً ضمن التيار السياسي الصهيوني، من اليمين إلى أجزاء من المعارضة. تتجلى المخاطر المرتبطة بهذا التحول من خلال اقتراح بن غفير “فك الارتباط 710″، الذي يستهدف تفريغ غزة وتشجيع تهجير سكانها تحت غطاء “الهجرة الطوعية”، مع اشتراطه إنشاء “وزارة للهجرة” وتوفير ميزانيات ضخمة لحزم تحفيز المغادرة كشرط للمشاركة في أي حكومة قادمة. ووفقاً لـ”يديعوت أحرونوت”، يخطط بن غفير أيضاً لنشر لافتات في بعض الدول الأفريقية للترويج لهذه الفكرة.
وبذلك، لم يعد السؤال يتعلق فقط بمصير نتنياهو، بل بما سيحدث إذا تشكلت حكومة جديدة بأغلبية سياسية تؤيد رؤية إخراج الفلسطينيين من غزة كجزء من الحل، حتى لو اختلفت في حجم التهجير وطريقته وأهدافه؟
تسمية التهجير بـ”الهجرة الطوعية” أو “الخروج الحر” لا يغير من طبيعته القانونية والأخلاقية. فالإرادة الحرة تتطلب وجود ظروف تسمح للإنسان بالبقاء، بينما يعيش أكثر من مليوني فلسطيني في غزة وسط دمار واسع، وفقدان للمنازل، وانهيار الخدمات الأساسية، واستمرار القتل والتهديد.
كيف يمكن الحديث عن حرية الاختيار عندما تُدمر مقومات الحياة؟ إن “الهجرة الطوعية” في هذا السياق تعني إرغام الغزيين على المغادرة فراراً من الموت والدمار، لتصبح نتائج الحرب ضد الإنسانية نفسها أداة لتحقيق هدف ديموغرافي إسرائيلي.
وهنا تكمن خطورة اللغة المستخدمة، حيث يتم تحويل الإكراه الناتج عن الحرب والدمار وانعدام شروط الحياة إلى “اختيار” فردي، بينما يصبح الرحيل نتيجة متوقعة لسياسة تعطي الفلسطيني خيارين: البقاء في ظروف لا تسمح بالحياة، أو مغادرة وطنه.
المشكلة لا تتعلق بشخص بنيامين نتنياهو فقط، فكما أشار رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الش سابق تمير هايمان، فإن إسرائيل تبنت مفهوماً أمنياً جديداً يعتمد بشكل متزايد على استخدام القوة العسكرية لمحاولة حسم الصراع، بدلاً من الاكتفاء بإدارته.
وهذا التحول مهم، لأنه يعني أن تغيير رئيس الحكومة، إذا حدث، لا يعني بالضرورة تغيير التصور الأمني الذي يسير التعامل مع الفلسطينيين والصراع. فقد أصبحت القوة العسكرية، حسب هذا المفهوم، ليست مجرد أداة لإدارة الأزمات، بل جزءاً من رؤية أوسع للتعامل مع الصراع ومحاولة فرض نتائجه.
وعلى الرغم من ذلك، لا يعني هذا أن جميع الأحزاب الإسرائيلية تتبنى الموقف نفسه أو أن مواقفها من التهجير متطابقة. لكن اتساع دائرة التأييد للفكرة داخل أحزاب الائتلاف وجزء من المعارضة يشير إلى أنها لم تعد محصورة في هامش اليمين المتطرف، ولكنها باتت حاضرة في النقاش السياسي الإسرائيلي الأوسع.
ولا يمكن فصل ما يحدث في غزة عما يجري في الضفة الغربية والمن توسع استيطاني وتهجير وتغيير للواقع الميداني. ففي الحالتي، تتجاوز المسألة حدود الإجراءات الأمنية الآنية لتلامس مستقبل الأرض والسكان.
في غزة، يظهر ذلك في طرح إخراج السكان تحت مسمى “الهجرة الطوعية”، وفي الضفة الغربية من خلال التوسع الاستيطاني والاستيلاء على الأراضي وتهجير الفلسطينيين من مناطق مختلفة. قد تختلف الأدوات والسياقات بين غزة والضفة، لكن النتيجة المحتملة تكون واحدة: تقليص المجال المتاح أمام الفلسطينيين للبقاء على أراضيهم وممارسة حقهم في تقرير مصيرهم.
في هذا السياق، تبدو فكرتا نزع السلاح والتهجير، في بعض الطروحات الإسرائيلية، متداخلتين ضمن تصوّر أوسع لمستقبل قطاع غزة. فبينما يُطرح نزع السلاح كشرط أمن سياسي، يستمر طرح السؤال الجوهري: هل نزع السلاح هو الهدف الحقيقي، أم أنه أصبح وسيلة لإطالة أمد الحرب وإعادة تشكيل الواقع السكاني والسياسي في القطاع؟
في المقابل، يمثل اعتراف بعض الدول الأوروبية بوجود ممارسات يمكن وصفها بالتطهير العرقي، أو فرض عقوبات على الاستيطان، تطوراً مهماً في التوصيف السياسي لما يجري. ولكن الأهم ليس في البيانات وحدها، بل في قدرة هذه الدول على تحويل مواقفها إلى إجراءات وفرض كلفة حقيقية تمنع تنفيذ التهجير والاستيطان.
فالمشكلة ليست في نقص القواعد القانونية الدولية، بل في الفجوة المتزايدة بين هذه القواعد وما يجري على الأرض. وكلما طال الزمن، أصبحت إمكانية تغيير الوقائع المفروضة بالقوة أكثر صعوبة، وتحولت الإجراءات المؤقتة إلى حقائق دائمة.
وبالأخير، ليس الأمر متعلقا فقط بمن سيشكل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، أو ما إذا كان نتنياهو سيبقى أم سيرحل. القضية الأعمق، إذن، ليست فقط ما إذا كان المجتمع الدولي قادراً على سد الفجوة بين قواعد القانون الدولي والواقع المفروض بالقوة في غزة والضفة الغربية، بل ما إذا كان مستعداً لتحمل مسؤولياته تجاه هذه الفجوة. فخلال سنوات من الإبادة المستمرة، عجزت دول أوروبية وغربية عن حماية قواعد القانون الدولي ووقف الجرائم فحسب، بل ساهمت مواقف وسياسات بعضها، وبدرجات متفاوتة، في تعطيل آليات المساءلة وإضعاف قدرة القانون الدولي على كبح القوة ووقف الجرائم. وهذه هي المعركة التي تتجاوز الانتخابات الإسرائيلية: هل يبقى القانون الدولي قاعدة فعلية تحكم الصراع وتحمي حقوق الفلسطينيين، أم يتحول إلى مجرد مواقف وبيانات بينما تستمر الجرائم وتُرسم على الأرض حقائق جديدة يصعب فيما بعد تغييرها؟
