ليس أخطر على العقول من الجهل الخفي؛ فالجهل المكشوف يمكن الاحتراز منه، ويستطيع الناس أن يتعاملوا معه بوصفه نقصًا ظاهرًا يحتاج إلى تعليم وتصحيح. لكن الخطر الحقيقي يبدأ حين يرتدي الجهل ثوب العلم، ويتحدث بلسان الواثقين، ويتصدر المجالس والمنصات بوصفه مرجعًا وموجّهًا ومحللًا. هناك لا يختلط الحق بالباطل فحسب، بل يضطرب الميزان الذي يميز بينهما، وتختل المعايير التي تحفظ للعلم مكانته وهيبته.
التعالُم ليس مجرد قلة معرفة، بل هو ادعاء للمعرفة، واقتحام لمقاماتها دون أهلية، وثقة زائدة في غير موضعها. وصاحبه لا يقف عند حدود جهله، بل يتجاوزها إلى التأثير في غيره؛ فيتكلم فيما لا يُحسن، ويجيب عما لا يعلم، ويُربك الناس وهو يظن أنه يوضح لهم الطريق، ويفسد ويظن أنه مصلح. قال ابن حزم رحمه الله: لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها، فهم من غير أهلها، فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون، ويفسدون ويقدّرون أنهم يصلحون.
ومن هنا جاء التحذير الشرعي بالغ الشدة؛ إذ جعل الله تعالى القول عليه بغير علم في ذروة المحرمات، فقال سبحانه:
{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33].
تأمل كيف خُتمت الآية بالقول على الله بغير علم، بعد ذكر كبائر عظيمة؛ لأن فساد الكلمة حين تُنسب إلى الدين أو الحق قد يمتد أثره إلى أجيال، ويقلب المفاهيم، ويزيّن الباطل في صورة اليقين.
حين يتصدر الجاهل
وقد رسم النبي صلى الله عليه وسلم صورة دقيقة لهذا الخطر حين قال:
“إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالمًا، اتخذ الناس رؤوسًا جُهّالًا، فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا“. [البخاري].
المشكلة إذن ليست في غياب المعلومة وحده، بل في حضور المتصدر بغير علم؛ ذلك الذي يُسأل فيجيب، ويُتَّبع فيُضل، ويملأ الفراغ بثقة لا تسندها معرفة، ولا يؤيدها رسوخ.
و قد قال الله سبحانه وتعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين} [الأنعام:١٤٤]. أي: لا أحد أظلم من فعل ذلك.
وفي القرآن أيضا توجيه بالغ العمق في كيفية التعامل مع القضايا العامة والأخبار المؤثرة، يقول الله تعالى:
{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83].
إنها آية تؤسس لمنهج كامل في التعامل مع المعلومات والشؤون العامة؛ فليس كل ما يُعلم يُقال، وليس كل من سُمع صار مؤهلًا للتحليل والتوجيه. وقد ذكر أهل التفسير أن الآية تتضمن ذمًّا لمن يسارع إلى نشر الأخبار دون تثبت أو رجوع إلى أهل الاختصاص والرأي.
وهذا المعنى، على قِدمه، يكاد يكون وصفًا دقيقًا لعصرنا؛ عصرٍ صار فيه كثير من الناس يعلّقون على كل حدث، ويفتون في كل قضية، ويخوضون في أعقد المسائل السياسية والشرعية والفكرية بكلمات سريعة، لا يسبقها علم، ولا يضبطها ورع.
هيبة الفتوى عند السلف
ولم يكن السلف الصالح يجهلون خطورة هذا الباب، بل كانوا أشد الناس هيبة للكلمة، وأكثرهم خوفًا من التقول بغير علم.
كان أحدهم يُسأل عن عشرات المسائل، فيجيب عن بعضها، ويتوقف في أكثرها، وربما قال بكل طمأنينة: “لا أعلم، أو لا أدري”. ولم تكن هذه الكلمة عندهم نقصًا، بل كانت علامة أمانة وصدق وخشية. كيف لا وهم يعلمون قول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (إذا ترك العالمُ قولَ: لا أدري، أُصيبت مقاتلُه).
وقال الإمام مالك رحمه الله:(ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك).
وهي كلمة تختصر معنىً غاب عن كثير من الناس اليوم؛ فالعلم ليس حماسًا، ولا حضورًا إعلاميًا، ولا قدرة على الحديث، بل أهلية ورسوخ وشهادة من أهل الفن والمعرفة.
وفي وصف بالغ الدقة لحال المتعالم، قال بعض السلف:
(إن أحدهم ليتكلم في المسألة، ولو وردت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر).
ما أعظم الفارق بين من يعظّم العلم فيتوقف، ومن يستخف به فيقتحم.
