
لعب الفلسطينيون في أراضي عام 1948، الذين يُعرفون بفلسطينيي الداخل، دوراً تاريخياً مهماً في دعم المسجد الأقصى وإعماره، من خلال الزيارة والتعبد فيه منذ السنوات الأولى لسيطرة إسرائيل على العام 1967، وقبل أن تبدأ مشاريع الرباط بصورة منظمة، خاصة بعد عام 2000. بدأت هذه العلاقة غالباً بمبادرات فردية وأسباب متعددة، حيث قام أفراد بالذهاب إلى الأقصى كلما أتيحت لهم الفرصة، وهذا ما تؤكده الشهادات الشفهية والأرشيفات المتاحة. كما ساهم فلسطينيو الداخل في تعزيز الوجود البشري في المسجد، بالإضافة إلى أعمال الترميم والإعمار وفتح المصليات وتبليط الساحات وتجهيز المرافق، إلى جانب الدور الذي قامت به قيادات المشروع الإسلامي في إحياء قضية الأقصى وتعزيز مكانته في وعي أبناء الداخل ووجدان الفلسطينيين بشكل عام، رغم الصعوبات التي واجهوها في الوصول إلى الوالأقصى.
تداخلت في هذه العلاقة أبعاد دينية ووطنية وسياسية وعاطفية، وليس هناك تعارض في اجتماعها وتكاملها لدعم الأقصى وإعماره. وتقوت هذه العلاقة بسبب القرب الجغرافي وما تولده من شعور بالمسؤولية الخاصة تجاه المسجد الأقصى، في ظل صعوبة وصول قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني والأمتين العربية والإسلامية إليه. ومن هنا، تطور حضور فلسطينيي الداخل من الزيارة والعبادة إلى التوعية والتثقيف، ثم إلى العمل المنظم والمؤسسي، من خلال المبادرات والفعاليات والمؤسسات التي ساهمت في إحياء قضية الأقصى، وتعزيز الجهود للذهاب إليه وإمداده بالمصلين، خاصة في فترات النفير والرباط.
شهدت العديد من المحطات لحظات من النفير وحضور المسجد، حيث كانت الحافلات والسيارات تنطلق منذ ساعات الليل لتصل إلى المسجد الأقصى عند الفجر، محملة بالمصلين والمرابطين، رغم التحديات ومحاولات عرقلة الوصول إليه. كانت تلك اللحظات صفحات مضيئة من تاريخ فلسطينيي الداخل، أكدت أن الأقصى لم يكن قضية موسمية أو عابرة في وجدانهم، بل هو جزء أصيل من هويتهم الدينية وأحد ثوابتهم الوطنية التي تمسكوا بها.
ومن ثم، أصبح المسجد الأقصى جزءاً أساسياً من الوعي والوجدان والممارسات لدى قطاعات واسعة من فلسطينيي الداخل، واستمرت هذه العلاقة وتعمقت عبر العقود، رغم أنها شهدت تراجعاً في السنوات الأخيرة لأسباب متعددة.
ولست هنا بصدد استذكار الماضي والدور المشرف الذي قام به فلسطينيّو الداخل، فقد خصّهم الله بهذا الدور، وإنما أتناول ذلك انطلاقاً من الحاجة الملحة لتعزيز هذا الدور واستكماله بشكل أفضل، بما ما أوتينا من طاقة وقدرة وإرادة، حتى نؤدي الأمانة ونقوم بما نستطيع من واجب، ونترك للأجيال القادمة دليلاً على أننا حافظنا على هذه الأمانة وبذلنا جهدنا فيها، حتى يأذن الله لهذه الأمة بمرحلة من التمكين، ويستعيد المسجد الأقصى مكانته في قلب الأمة ووعيها.
وعلى هذا الأساس، تبرز الحاجة إلى مجموعة من الاقتراحات التي ليست جديدة في جوهرها، لكنها تتجدد في الحاجة إليها ووسائل تنفيذها، بهدف تعزيز حضور فلسطينيي الداخل ودورهم في دعم المسجد الأقصى المبارك. وهذه ليست سوى عناوين عامة، يمكن أن تندرج تحتها مجموعة من البرامج والمبادرات والتفاصيل العملية:
1. تجديد الوعي بالذات والدور والمسؤولية
إعادة تعريف الأجيال، وخاصة الشباب، بهوية فلسطينيي الداخل ومكانتهم ودورهم التاريخي، والمسؤولية المرتبطة بوجودهم في هذه الأرض وقربهم من المسجد الأقصى.
2. تجديد الوعي بمكانة المسجد الأقصى
تعزيز الوعي بمكانة المسجد الأقصى ويته، وترسيخ الشعور بالمسؤولية تجاهه، بحيث ينتقل الأقصى من دائرة المعرفة العامة إلى دائرة الحضور المستمر في الوعي والسلوك.
3. تعزيز الوعي بفضائل الأرض ومكانتها
التذكير بفضائل هذه الأرض ومكانتها الدينية والوطنية والتاريخية والسياسية، وما شهدته من محطات في تاريخ الأنبياء والرسالات، والإسراء والمعراج، وفضائل الرباط فيها، بما يعزز الارتباط بها وبالمسجد الأقصى.
4. إحياء المبادرات الفردية والجماعية
تشجيع المبادرات الفردية والجماعية، وفتح المجال أمام الطاقات المجتمعية والشبابية، وتعزيز روح التنافس المحمود في خدمة الأقصى، من خلال برامج الذهاب والزيارة والحضور فيه.
5. تعزيز الدور الإعلامي
إعادة الاعتبار للدور الإعلامي في خدمة قضية الأقصى، وتطوير المنصات والوسائل والمضامين التي تخاطب مختلف الشرائح، وتبقي الأقصى حاضراً في الوعي العام، ولا تجعل حضوره الإعلامي مرتبطاً بالمواسم والأحداث، بإيجابياتها وسلبياتها.
