كباحث في الحرب تحت الأرض، تسلط التقارير المحيطة بمجمع الأنفاق في سلسلة جبال علي الطاهر في جنوب لبنان الضوء على ظاهرة مركزية:
الطريق تحت الأرض ليس مجرد عائق هندسي أو ملجأ تكتيكي، بل هو مولد غموض استراتيجي يغير قواعد اللعبة العسكرية والدبلوماسية والسياسية.
تحت الأرض باعتباره “ثقبًا أسودًا للاستخبارات”-
وعلى النقيض من المساحة المرئية التي تغطيها الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار وأجهزة الاستشعار في الوقت الحقيقي، فإن الطريق تحت الأرض يمنع المراقبة المباشرة ويخلق عدم تناسق يسمح لكل جانب بالدخول في سرد مختلف:
* جهة العدو (إيران/حزب الله): تخلق عرضاً لـ”الأصول النوعية” (ضباط الحرس الثوري المحاصرين في الأعماق) لخلق الردع وإجبار التدخل الأميركي.
* الجانب المهاجم (جيش الدفاع الإسرائيلي): يسمح برفض مثل هذا التواجد لتجنب الحاجة إلى رد إقليمي واسع والحفاظ على حرية العمل.
إن الغموض الكامن في أعماق الأرض يحول الواقع الواقعي من حقيقة جافة إلى موضوع قابل للتفسير وإدارة المخاطر.
إدارة القتال في حدود وقف إطلاق النار-
وفي ظل نظام وقف إطلاق النار أو القيود السياسية، فإن أي هجوم علني وصاخب على مجمع تحت الأرض يمكن أن يؤدي إلى انهيار التفاهمات وتحويل المنطقة إلى حرب شاملة. وتتيح الأنفاق الالتفاف على هذا القيد من خلال تكتيك “الخنق اللوجستي”، وهو حصار مستهدف وقتال يجري في الأنفاق وفي الفضاء تحت الأرض، بعيدا عن أعين الكاميرات، مع تحقيق الهدف العملياتي في مستوى منخفض ودون خلق سبب للتصعيد الفوري.
تأثير مساحة الغموض على الساحة السياسية والانتخابات
إلى أبعاد الغموض.
للعمل السري تأثير مباشر على النظام الانتخابي:
* احتكار “ساعة التقرير”: بما أن الجمهور ووسائل الإعلام لا يستطيعان التحقق بشكل مستقل مما يحدث في أعماق الأرض، فإن المستوى السياسي له السيطرة الكاملة على توقيت النشر. ويمكن تأجيل الإعلان عن تطهير المجمع أو الكشف عن بطاقة استخباراتية إلى الوقت الذي تكون فيه المصلحة السياسية أعظم، أي قرب يوم الانتخابات.
* رواية النصر المطلق: الإعلان عن نقل السيطرة فوق وتحت الأرض يُنظر إليه على أنه عكس “الحدث غير المكتمل”. ومن الصعب جداً على دوائر المعارضة أو وسائل الإعلام أن تتحدى إنجازاً عسكرياً يتم في وسط لا يستطيع الجمهور الوصول إليه.
* حرب نفسية ذات اتجاهين: العدو من جانبه يستغل الغموض لاتهام قيادة البلاد بـ”الاستغلال السياسي للمعركة”، محاولاً بذلك تقويض مصداقية الإنجاز في نظر الرأي العام المحلي والدولي.
وفي النهاية فإن حرب الأنفاق في العصر الحديث توضح أن المعركة لا تنتهي بتحييد النفق. يخلق العمل تحت الأرض مساحة قاتمة حيث يتشابك الواقع العسكري والتوقيت السياسي – ومن يسيطر على السرد السري يرفعه مباشرة إلى الساحة على السطح في ساحة المعركة نفسها وفي روح الوعي ومساحة السرد.
المصدر: المهندس يهودا كفير، خبير في الحرب السرية، باحث ومحاضر في قسم الدراسات الأمنية والدفاع الداخلي، كلية بيت بيريل.
